« ولكن لماّ التبس الحقُّ بالباطل والباطلُ بالحقّ قلتُ : إنّ الأدلة عليهما ولهما متكافئةٌ وأنّها موقوفةٌ على حِذق الحاذقِ في نُصرته وضَعف الضّعيفِ في الذّبّ عنه . » ( المصدر نفسه 3 : 195 ) .
إنّنا لا نعتقد أنّ هناك فساداً أخلاقياً أكثر من ذلك الذي يجد النّاس فيه للمنكر حججاً وبراهين يدافعون بها عنه وينتصرون له ومن العجيب أنّ الإستدلال للباطل قد تساوى في القوّة مع الإستدلال للحقّ .
ومن علامات انقلاب القيم الأخلاقية ، ما وقع بين أبي حيّان التوحيدي وصديقه أبي الوفاء المهندس الذي أوصله إلى مجلس ابن سعدان ، فقد حفظ التّوحيدي أسرارَ الحديث الذي جري بمجلس الوزير إعتقاداً منه أنّ الأمانة توجب عليه ذلك وصوناً لنفسه عن الرذائل يقول معلّلًا لصديقه كتمانه لسرّ الحديث بينه وبين ابن سعدان : « وحسبتُ أنّني إن بدأتُ بشيء منه رَذلتَني عليه وتنقَّصْتَني به وزَرَيتَ عليّ فيه وأنّك ربّما قلتَ : هلّا كظمتَ على جِرَّتِك « 1 » وطويتَ ما بين جنبيك وما علىّ ممّا يدورُ بين الصاحب وخادمه والرؤساء وللناظرين في أمور الدَّهماء « 2 » والمتصفّحين لأحوال العامّة والخاصّة ولهم أسرارٌ وعيوبٌ لا يقف عليها أقربُ الناس إليهم وأعزُّ الناس عليهم . » ( المصدر نفسه 1 : 12 ) .
لكن أبا الوفاء المهندس رأي في أمانة التوحيدي خيانةً له ، فأخذ يعنّفه أشدّ العنف ويقرع سمعه بأقسى السّباب والتّهديد طالباً منه اطّلاعه على كلّ ما دار بينه وبين ابن سعدان يريد أن يكون شاهداً معهما ورقيباً عليهما أومتوسّطاً بينهما ، قائلًا : « فانتظر عقبي إستيحاشي منه وتوقّع قلّة غفولي عنه وقد أصبحت حرّانَ حيرانَ يا أباحيّان ، تأكل أصبعك أسفاً وتَزدَرِدُ ريقَك لهفاً علي ما فاتك من الحَوْطة لنفسك والنظر في يومك لغدِك . . . » ( المصدر نفسه 1 : 7 ) .
هامش
( 1 ) - جرّتك ، وجرّة البعير ما يُخرجه البعير من بطنه ليمغضه ثمّ يبلعه ، شبّه بها الحديث المختزن يفشيه صاحبه .
( 2 ) - الدّهماء : جماعة الناس .