الأحيان . فالخوف الذي قذفه العيّارون سنة 362 : ه في قلوب الناس أشدّ من الذي أحدثه الرّوم خلال مهاجمتهم لثغور المملكة الاسلامية .
كما نتبيّن أيضاً أنّ هذا المجتمع قد غلب عليه التعصّب وساده الانتقام ، الأمر الذي جعله مجتمعاً متصدّعاً في أهمّ ركائزه الأمنية .
وممّا لاشكّ فيه أنّ الأحوال الاجتماعية التي سبق الحديث عنها من تباين طبقي وسلوكي وجنسي ( أي بين الأجناس المختلفة ) ومن انعدام الأمن سيكون لها أثر كبير في أخلاق الناس وسلوكهم . لأنّ الأخلاق في قسم كبير منها تكون وليدة أحوال البيئة التي توجد فيها ونحن لا ننتظر طبعاً من مجتمع متفككّ ومتباين أن تكون الأخلاق الغالبة على أهله أخلاقاً حسنة .
3 - 2 - 4 - الفساد الأخلاقي :
لقد عرض أبوحيّان التوحيدي في كتاب الإمتاع والمؤانسة مظاهر كثيرة من الفساد الأخلاقي داخل المجتمع وأطال الحديث عنها . فمن أبرز تلك المظاهر انقلاب القيم الأخلاقية ، يقول في مقدمة الكتاب مخاطباً صديقه أبالوفاء المهندس يشكو أحوال العصر :
« وصارَ المنكرُ معروفاً والمعروفُ منكراً وعاد كلُّ شيء إلى كدِرِه وخاثِره وفاسده وضائرِه وحَصَل الأمرُ على أن يقالَ : فلانٌ خفيفُ الروح وفلانٌ حسنُ الوجه وفلانٌ ظريفُ الجملة ، حُلوُ الشمائل ، ظاهرُ الكَيْس ، قويُّ الدَّست « 1 » في الشّطرنج ، حَسنُ اللّعب في النَّرْد . . . إلى غير ذلك ممّا يأنَفُ العالِمُ من تكثيره والكاتبُ من تسطيره . » ( المصدر نفسه 1 : 17 - 18 ) .
ويدعم ابن البقّال « 2 » هذا الرأي بقول بيّن فيه اختلاط الخير بالشرّ والحسن بالقبيح :
هامش
( 1 ) - أي الحيلة .
( 2 ) - أبو القاسم عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر بن روزبهان بن الهيثم ، المعروف بابن البقال ( 272 - 363 ) أحد المتكلمين من الشيعة ، وله كتب مصنّفة على مذهب الزيدية ، تجمع حديثاً كثيراً . وله أخ شاعر مشهور . ( الخطيب البغدادي 10 : 458 ) .