ومع هذين السّببين السّياسي والاقتصادي نجد سبباً آخر وهو تعددّ الفِرِق المتناحرة والمتصارعة في ما بينها وقد تعصّب الناس كلٌّ لفرقته حتى استبيح الدّم والمال وفقدَ المجتمع أمنه وثباته وسكينته . يقول الوزير ابن سعدان واصفاً هذا الأمر في سؤاله للتّوحيدي عن سبب اختلاف المذاهب :
« من أين دَخلت الآفةُ على أصحابِ المذاهبِ حتى افترقوا هذا الافتراقِ وتبايَنوا هذا التَّبايُن وخرجوا إلى التَّكفيرِ والتَّفسيقِ وإباحة الدمّ والمال وردِّ الشَّهادة واطلاقِ اللِّسان بالجَرحِ وبالقَذْع والتَّهاجُرِ والتقاطُع . » ( المصدر نفسه 3 : 186 ) ويقول أبوحيّان متحدثاً عن الأمر نفسه مبيّناً نتائج تعددّ الفرق والنّحل :
« كان مِن نتائجِها هذه الفتنُ والمذاهبُ والتعصُّبُ والافراطُ . . . وخُرّبتِ الدياراتُ وكثُر الجدالُ وطال القيلُ والقال وفَشا الكَذِبُ والمُحال وأصبح طالبُ الحقِّ حَيْران ومحبُّ السَّلامة مقصوداً بكلّ لسان وسِنان وصار الناسُ أحزاباً في النِّحل والأديان ، فهذا نُصَيري وهذا أشجعيِ . . . ومن لايُحصِي عدَدَها إلّا اللهُ الذي لايُعجزُه شيءٌ . . . » ( المصدر نفسه 2 : 76 - 78 ) .
ويفسرّ التوحيدي ثورة العيّارين سنة 362 : ه بالأمر نفسه يقول : « وطائفةٌ وجدتْ فرصتَها في العَيْثِ والفَساد والنَّهب والغارةِ بواسطة التعصُّبِ للمذهَبِ » ( المصدر نفسه 3 : 151 ) .
وصارت بعض هذه المذاهب تحمى الثوّار وتواليهم ، فقد التجأ أسود الزّبد من العيّارين بعد ما أغار ونهب خلال ثورة العيّارين إلى نقيب الشيعة ببغداد ، أبي أحمد الموسوي واحتمى به وصار من رجاله ، ثمّ سيّره إلى الشام فهلك بها . ( المصدر نفسه 3 : 161 ) .
وهذا ما يدعم الرأي القائل إنّ المذاهب هي وراء الثّورات الداخلية التي بثّت الرّعب في الناس وزلزلت أمنَ المجتمع .
نستنتج أنّ انعدام الأمن الاجتماعي داخل المجتمع في القرن الرابع للهجرة كان يعكس تفكّك هذا المجتمع ، لأنّ العناصر التي كانت تبثّ فيه الذّعر والرعب هي عناصر داخلية في أغلب
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 154
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٥٤