تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
ومع هذين السّببين السّياسي والاقتصادي نجد سبباً آخر وهو تعددّ الفِرِق المتناحرة والمتصارعة في ما بينها وقد تعصّب الناس كلٌّ لفرقته حتى استبيح الدّم والمال وفقدَ المجتمع أمنه وثباته وسكينته . يقول الوزير ابن سعدان واصفاً هذا الأمر في سؤاله للتّوحيدي عن سبب اختلاف المذاهب : « من أين دَخلت الآفةُ على أصحابِ المذاهبِ حتى افترقوا هذا الافتراقِ وتبايَنوا هذا التَّبايُن وخرجوا إلى التَّكفيرِ والتَّفسيقِ وإباحة الدمّ والمال وردِّ الشَّهادة واطلاقِ اللِّسان بالجَرحِ وبالقَذْع والتَّهاجُرِ والتقاطُع . » ( المصدر نفسه 3 : 186 ) ويقول أبوحيّان متحدثاً عن الأمر نفسه مبيّناً نتائج تعددّ الفرق والنّحل : « كان مِن نتائجِها هذه الفتنُ والمذاهبُ والتعصُّبُ والافراطُ . . . وخُرّبتِ الدياراتُ وكثُر الجدالُ وطال القيلُ والقال وفَشا الكَذِبُ والمُحال وأصبح طالبُ الحقِّ حَيْران ومحبُّ السَّلامة مقصوداً بكلّ لسان وسِنان وصار الناسُ أحزاباً في النِّحل والأديان ، فهذا نُصَيري وهذا أشجعيِ . . . ومن لايُحصِي عدَدَها إلّا اللهُ الذي لايُعجزُه شيءٌ . . . » ( المصدر نفسه 2 : 76 - 78 ) . ويفسرّ التوحيدي ثورة العيّارين سنة 362 : ه بالأمر نفسه يقول : « وطائفةٌ وجدتْ فرصتَها في العَيْثِ والفَساد والنَّهب والغارةِ بواسطة التعصُّبِ للمذهَبِ » ( المصدر نفسه 3 : 151 ) . وصارت بعض هذه المذاهب تحمى الثوّار وتواليهم ، فقد التجأ أسود الزّبد من العيّارين بعد ما أغار ونهب خلال ثورة العيّارين إلى نقيب الشيعة ببغداد ، أبي أحمد الموسوي واحتمى به وصار من رجاله ، ثمّ سيّره إلى الشام فهلك بها . ( المصدر نفسه 3 : 161 ) . وهذا ما يدعم الرأي القائل إنّ المذاهب هي وراء الثّورات الداخلية التي بثّت الرّعب في الناس وزلزلت أمنَ المجتمع . نستنتج أنّ انعدام الأمن الاجتماعي داخل المجتمع في القرن الرابع للهجرة كان يعكس تفكّك هذا المجتمع ، لأنّ العناصر التي كانت تبثّ فيه الذّعر والرعب هي عناصر داخلية في أغلب