فثورتهم تجسّم ردّ الفعل العنيف والناقم على سوء توزيع الثّروات بين الطّبقات الاجتماعية وهو ردّ فعل الناس المكبوتين والمظلومين الذين ما إن وجدوا الفرصة سانحةً حتى انطلقوا ينتقمون من الغنيِ والفقير دون تمييز .
ولنفس هذا السبب تظاهرَ العامّةُ ضد الوزير ابن سعدان عندما نزل ليركب المركب ، فقد اشتكوا فقرهم وخصاصتهم ( المصدر نفسه 2 : 151 ) .
وليس هناك شكّ ولا ريب في أنّ التظاهر كان يدلّ على انعدام الأمن داخل المجتمع .
إلى جانب هذا السبب الاقتصادي ، نجد سبباً سياسياً يفسّر لنا انعدام الأمن الاجتماعي ، فعدم اطمئنان الرعيّة لسلطانها ولسياسته وفقدها الثقة به على حمايتها من المخاطر الداخلية والخارجية ، جعلها تضطرب ويسيطر عليها الخوفُ لأبسط خطر يطرقُ البلاد ويداهمها وهكذا فقد المسلمون اطمئنانهم وأمنهم وداخلهم الرعبُ والهلع سنة 362 : ه لمّا هاجم الرّوم بعض المدن الإسلامية لسبب يقول عنه التوحيدي إنّه تافه : « كان أوّلَ هذه الحادثة الفظيعةِ البَشِعة التي حَيرّت العقولَ وولَّهَت الألباب وسافر عنْها التّوفيقُ واستولَى عليها الخِذْلانُ وعُدِمَت فيه البصائرُ ، شيئاً كلّا شيء وإذا أراد اللهُ تعالى ذكرُه أن يُعَظِّمَ صغيراً فَعَل وإذا شاءَ أن يُصغِّر عظيماً قَدَرَ . . . » ( المصدر نفسه 3 : 151 ) .
فلنلاحظ التقابل الكبير بين السبب ( شيء كلّا شيء ) والنتيجة وهي ضياع المجتمع وانفكاكه وفقده القدرة على السيطرة على الأحداث وما كان ذلك ليحصل لو لم يكن الأمير عزّالدولة مشغولًا بتلبية شهواته من الصّيد والعزف واللّهو .
ومن الأسباب السّياسية أيضاً وراء انعدام الأمن كثرة الظّلم والجور ، كما حدث بخراسان سنة 370 : ه ، فقد وقع تمرّد أدّى إلى حرب داخل الدولة السامانية فقَدَ خلالها الناسُ القدرة على السّياحة لانسداد الطّرق وتخطّف النّاس للنّاس وشمول الخوف وغلبة الرُّعب وكان البلد يتّقّد ناراً بالسؤال والتعرّف والإرجاف بالصّدق والكذب . . . فضاقت صدورُهم وخبثت سرائرُهم واستولى عليهم الوسواسُ . ( المصدر نفسه 3 : 92 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 153
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٥٣