فَفَدَّمت « 1 » كُلَّ أفْوَه وأسْكَتت كُلَّ ناطقٍ وحيّرتْ كلَّ لبيبٍ وأشرقتْ كُلَّ شاربٍ وأمَرَّتْ علي كلِّ طاعمٍ ؛ وإنّ الفكرَ في هذا الأمر لمُختَلسٌ للعقلٍ وكارثٌ « 2 » للنَّفْس ومُحرِقٌ للكَبِد . » ( المصدر نفسه 2 : 79 ) .
ونطالع في ثنايا الكتاب حادثةً وقعت لابن معروف قاضي القضاة ببغداد تدلّ على شدّة انعدام الأمن داخل المجتمع ، فبينما كان مجتازاً باب الطّاق تعلّق به أحد المُجّان وسأله عن مذهبه ( مرعوشيّ أم فضلي « 3 » ) فاستشعر الخوف من هذا السؤال وتمكّن من التخلّص من ذلك الحرج بالحيلة والجواب الرقيق ، فقال : « يا أبا القاسم ، نحن في محلّة مَن ؟ قال : في محلّه مرعُوش ، فقال ابنُ معروف : كذلك نحنُ عافاكَ اللهُ من أصحاب محلتّنا لا نَختارُ على إختيارِهِم ، ولانتميّزُ فيهم . فقال العيّارُ : إمشِ أيُّها القاضي في سِترِالله ، مِثلُكَ من تَعصَّبَ للجيرانِ . » ( المصدر نفسه 3 : 188 ) .
نتبيّن من خلال هذه الأمثلة أنّ المجتمع قد سادته الفوضى وغلب على سكّانه الخوف على ممتلكاتهم وأنفسهم . فهل من سبب يفسّر تفاقم هذا الأمر في القرن الرابع للهجرة ؟
هناك أكثر من سبب وراء هذه الظاهرة الاجتماعية . ولعلّ الدافع الاقتصادي هو من أبرزها في الإمتاع والمؤانسة ، فالحرمان الشّديد والعوز المؤلم الذي كانت تعانيه الأمّة من شدّة الفقر كان من الطّبيعي أن ينتجا ردود فعل عنيفة ودامية ترفع عن المجتمع أمنه ، إذ لا أمن مع الحرمان والجور وهذا ما قام به العيّارون سنة 362 : ه كما ذكرنا سالفاً عندما بثّوا الرّعب في أفئدة النّاس واستباحوا نهب المال وقتل النفوس . ( المصدر نفسه 3 : 161 - 162 ) .
هامش
( 1 ) - فدّمت ، من الفدامة وهي العيّ .
( 2 ) - كارث للنفس : من كرثه الغمّ إذا اشتدّ عليه .
( 3 ) - نسبة إلى فضل ومرعوش وهما ساعيان إستخدمهما معزّ الدولة ليكونا رسولين بينه وبين أخيه ركن الدولة وبمرور الأيام لهج الناس بهما ، لأن أحدهما كان ساعي السنّة والآخر ساعي الشيعة .