وأخذوا أمواله وممتلكاته يقول واصفاً تلك الواقعة : « جاءت النهّابةُ إلى بيْنَ السُّورَيْن « 1 » وشنّوا الغارَةَ واكتَسحوا ما وجَدُوا في منزلي من ذَهَب وثيابٍ وأثاث وما كنتُ ذَخَرتُه من تُراث العُمْر وجرَّدوا السَّكاكين على الجارية في الدّار يطالبونها بالمال ، فانشقّت مَرارَتُها ودُفِنَت في يومها وأمْسَيتُ وما أملِك من الشّيطان فَجْرَة ولا مع الغُراب نَقْرة . « 2 » » ( المصدر نفسه 3 : 161 - 162 ) .
وما يؤكّد هذه الظاهرة قول أبي حيّان في اللّيلة العشرين واصفاً آثار الصّراع المذهبي في المجتمع : « فسُفكتِ الدماءُ واستُبيح الحريمُ وشُنّت الغارات وخُرِّبَت الدّيارات وكثُر الجدالُ وطال القيلُ والقال وفَشَا الكذِبُ والمُحال . . . وصارَ الناسُ أحزاباً في النِّحَل والأديان » ( المصدر نفسه 2 : 77 ) .
ويدعم قولُ الوزير ابن سعدان ذلك فهو يتحدّث عن إختلاف المذاهب متسائلًا : « مِن أيْنَ دخلت الآفةُ على أصحاب المذاهِب حتى افتَرَقُوا هذا الافتراق وتَبَايَنُوا هذا التّبايُن وخَرَجُوا إلى التّكفير والتَّفسيق وإباحَةِ الدّم والمال ورَدِّ الشَّهادة وإطلاق اللِّسان بالجرْح وبالقَذْع والتَّهاجُر والتَّقاطُع ! » ( المصدر نفسه 3 : 186 ) .
وإذا كان الأمن داخل المساكن منعدماً ، فمن الطبيعي أن يكون بالشّوارع أكثر انعداماً .
فالتوحيدي يحدّثنا عن « انسداد الطُّرُق وتخطُّفِ النّاس للنّاس » ( المصدر نفسه 3 : 92 ) بلسان جماعة من الصّوفية . وقد صار الإنتقال من مكان إلى آخرنتيجة ذلك محاطاً بالمخاوف الكبيرة وفقدت النفوس الاطمئنان وصارت السّلامة مستحيلة .
يقول ابن الجلّاء الزّاهد متحدّثاً عن استحالة شعور الإنسان بالاطمئنان في مثل ذلك العصر : « وأنّى له بالسَّلامةِ مع هذه النّيران التي طافَتْ بالشّرق والغربِ وأتتْ علي الحَرْث والنّسلِ
هامش
( 1 ) - إلى بين السّوريْن ، أي إلى هذه المحلّة المسمّاة بهذا الاسم في بغداد .
( 2 ) - أي انه لا يملك عملًا خبيثاً ولا طيّباً مهمّاً قلّا .