تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
ففي شهر صفر من سنة أربع وخمسين وثلاثمائة يتحدّث أبوحيّان التوحيدي عن استحالة التّجوال بالبادية : « وكانت الباديةُ خاليةً في ذلك الوقت ، لرُعبٍ لَحِقَ قَوماً في بني كِلاب من جهة أعدائهم ، فلم يكن يجتازُ بها في ذلك الوقت غريب . . . » ( المصدر نفسه 2 : 156 ) . وفي سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة للهجرة خلال هجوم الرّوم على المسلمين : « خافَ الناسُ بالموصِل وما حولها وأخَذُوا في الإنحدار على رُعبٍ قُذِفَ في قُلُوبهم ليكون سبَباً لما صارَ إليه الأمرُ وماجَ الناسُ بمدينة السَّلام واضطَرَبُوا وتَقسَّمَ هذا الموجُ والإضطرابُ بين الخاصّة والعامّة . » ( المصدر نفسه 3 : 151 ) . وفي نيسابور سنة سبعين وثلاثمائة خلال تمرّد الجيش على الظّلم الذي بلبل الدولة السامانية ، « لا قدرةَ على السِّياحة لانسدادِ الطُّرقِ لتخّطف الناسِ للنّاس وشمُوُل الخوفِ وغَلبةِ الرُّعبِ وكان البلدُ يتَّقِدُ ناراً بالسُّؤال والتَّعَرّفِ والإرجافِ بالصّدقِ والكَذِب وما يُقالُ بالهوي والعَصَبيّة . . . » ( المصدر نفسه 3 : 91 - 92 ) إنّنا لنلاحظ من خلال هذه الأمثلة تواتر كلمة الرّعب ، فنتبيّن بذلك عمق الخوف الذي عاشه الناس وحدَّتَه ، كما نلاحظ الامتداد الزمني لهذه الحالة فالمثال الاوّل يعود إلى سنة 354 والثاني يرجع إلى سنة 362 : ه والثالث يعود إلى عام 370 : ه وذلك يدلّ على أنّ حالات الرّعب داخل المجتمع لم تكن آنيّة عابرة . ثمّ إننا نتبيّن أخيراً أنّ الرّعب كان منتشراً مكانياً ، كما كان امتداده زمانياً فنجده بالبادية كما نجده بالمدن كخراسان والموصل وغيرهما . فنستنتج من ذلك أنّ الرعب والخوف هو حالة عامّة وشاملة قد هيمنت على أجزاء كثيرة من المجتمع في القرن الرابع للهجرة . لقد تفاقم انعدام الأمن داخل المجتمع حتى صار الناس غير آمنين في مساكنهم على حريمهم وأموالهم وأنفسهم ، فخلال ثورة العيّارين سنة 362 ، دخل النّهابة منزل التوحيدي وقتلوا جاريته