تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
بعض البهائم . وجاءهم هذا الفعل من زرادشت نبيُّهم الذي حللّه لهم وأتاهم عليه بكلِّ برهان فقبِلُوه مِنه رغم عُجبِهِم بعقولهم وكِبرهم في أنفسهم . » ( المصدر نفسه 1 : 90 - 91 ) . وقد تدخّل في الحديث بين الوزير وأبي حيّان ، أبو الحسن الأنطاكي « 1 » الذي كان حاضراً في مجلس تلك الليلة فبيّن جهل زرادشت في حكمه وضعف عقول الفرس في قبوله . ( المصدر نفسه 1 : 93 ) . بعد تحليل هذا الجدل حول المفاضلة بين العرب والعجم ، نستنتج : - إنّ الاختلاف بين الأجناس كان ما زال قائماً وهو تباين بين العرب والفرس أساساً إلّا أنّ كتاب الإمتاع والمؤانسة لم يبرزه بصورة جليّة في الحياة اليومية للناس . - ثمّ إنّ هذا الصّراع حضاريّ ارتكز على إبراز الفضائل الأخلاقية والاقتصادية والعلمية لكلّ جنس . فقد نقد الجيهاني في كتابه أخلاق العرب ومعارفهم قبل الاسلام . كما نقد التوحيدي والقاضي المروروذي وأبو الحسن الأنطاكي أخلاق الفرس وعاداتهم قبل الإسلام . والجنس العربي قد صار في موقع الدّفاع عن نفسه وعن حضارته ولعلّ ذلك راجع إلى تغلّب الفرس وتسلّطهم على سياسة البلاد وانتشار عاداتهم وأخلاقهم تبعاً لذلك وهو ما يفسّر دون شك حدّة الحجّة التي ردّت بها الجماعة علي الجيهاني وادّعاءاته . هذه بعض صور التضادّ داخل المجتمع الاسلامي وهي تدلّ بلا ريب على تفككّه طبقياً وسلوكياً وجنسياً . فهل لمجتمع يعيش هذه الحالة أن يعرف الأمن والسّكينة ؟

3 - 2 - 3 - انعدام الأمن الاجتماعي :

لقد أطنب كتاب الإمتاع والمؤانسة في تصوير مظاهر انعدام الأمن الاجتماعي حتى إننا نتصوّر أنّ المجتمع قد تفتّت وصارت الحياة فيه مستحيلة ، فالناس قد شملهم الخوف والرهب وغلب عليهم الرّعب والأمثلة على ذلك كثيرة .
هامش
( 1 ) - أبو الحسن الأنطاكي ، أصله من أنطاكية ونزل بغداد وكان مهندساً حاسباً ، له مشاركة في علوم الأوائل مع فصاحة لسانه وعذوبة بيانه . مات ببغداد سنة 376 .