تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
لكن ذلك لا يعني انتفاء ذلك الصّراع تماماً ، ففي كتاب الامتاع والمؤانسة ما يدلّ على وجود بقايا له ، فقد سأله الوزير ابن سعدان في اللّيلة السادسة : « أتفضّل العربَ على العجم أم العجمَ على العرب . » ( المصدر نفسه 1 : 70 ) . إنّ هذا السؤال يدلّ على أنّ مشكلة المفاضلة بين العرب والعجم كانت قائمة يلذّ فيها الحديث ولو انتفت القضيّة وزال أثرها لوجّه ابن سعدان اهتمام ليلته إلى مبحث أجدى من ذلك . ويؤكّد أبوحيّان في سياق إجابته عن هذا السؤال وجود ذلك الصّراع . فقد حدّثنا عن الجيهاني « 1 » في كتابه وهو يسّب العرب ، فيقول : « إنّ العربَ يأكلونَ اليرابيعَ والضَّبابَ والجُرذانَ والحيّاتِ ويتعاوَرُون « 2 » ويتَساوَرون ويَتهاجَونَ ويتفاحشونَ وكأنّهم قد سُلخوا من فضائل البشر ولبِسُوا أُهُبَ الخنازير . . . » ( المصدر نفسه 1 : 78 - 79 ) وقد ردّ عليه التوحيدي والقاضي أبو حامد المروروذي « 3 » ( ت عام 362 : ه ) وأبو الحسن الأنطاكي ( ت عام 376 : ه ) . ردّ عليه المروروذي قائلًا : « لو كانت الفضائل كلُّها بعِقدِها وسِمطِها ونظمِها ونثرها ، مجموعةً للفُرس ومصبوبةً على أرؤسهم ومعلَّقةً بآذانهم وطالعةً من جِباهِهِم ، لكان لا ينبغي أن يذكروا شأنَها وأن يَخرَسوا عن دِقِّها وجِلِّها . . . » ( المصدر نفسه 1 : 90 ) فأوّل ما عاب الجيهاني على العرب معيشتهم وأخلاقهم ، فقد كانوا في باديتهم يأكلون اليرابيع والحيّات ويتهاجَون ويتفاحشون ، فردّ عليه أبو حيان ردّاً عنيفاً متهماً إيّاه بالجهل قائلًا : « إنّ كلّ من يوجد في بيئة شبيهة ببيئتهم يأكلُ مأكلَهُم ويتخلَّقُ بمثل أخلاقهم ، حتى إن كان فارسيّاً أو
هامش
( 1 ) - سمّى هكذا نسبة إلى جيهان وهي مدينة بخراسان . اسمه محمد بن أحمد ، كان أديبا فاضلًا شهماً جسوراً وقال ابن النديم : إنّه من رؤساء المتكلمين الذين يظهرون الاسلام ويبطنون الزندقة ويصنفون في نصرة الأثينية ( المجوسية ) . ( 2 ) - يتعاورون : أي يذكر بعضهم عورة بعض . ( 3 ) - هو القاضي أبو حامد المروروذي أحد أساتذة أبي حيّان ، كان متضلّعاً في مختلف علوم عصره وقد لازمه التوحيدي طويلًا ورو عنه . ( ابن خلكان 1 : 18 ) .