« وهذه العناصر الجنسية من أتراك وفرس وغيرهم وما تستلزم من عصبيّات ، كانت كلّها حركات تموج بها المملكة الإسلامية تتعاون حيناً وتتفاعل حيناً وتؤثّر في السّياسة وفي الدّين وفي العلم وتنشأ عنها المؤامراتُ السرّية أحياناً والقتال الصريح أحياناً وكان لها أثر واضح في كلّ ناحية من النواحي الاجتماعية . » ( أمين 1 : 74 - 75 ) .
فقد ظهرت الحركة الشّعوبية في عهد الدّولة الأموية تعادي العرب في أخلاقهم وحضارتهم وتمجّد الفرس علماً وحضارةً ولعلّ أسوأ ما أدّت إليه هذه الشعوبية الحمقاء ، الزّندقة والزّنادقة الذين كانوا يُبغضون العرب وكلّ ما اتّصل بهم من اسلام وغير اسلام . ويوضّح ذلك الجاحظ بقوله : « إنّ عامّة من ارتاب بالإسلام إنما كان أوّل ذلك رأى الشّعوبية والتّمادي فيه وطولُ الجدال المؤدّي إلى الضّلال ، فإذا بغض شيئاً أبغض أهلَه وإن أبغض تلك اللّغة أبغض تلكَ الجزيرة . . . فلا تزال الحالات تنتقل به حتى ينسلخ من الإسلام ، إذ كانت العرب هي التي جاءت به وهي السّلف والقُدوة » ( الجاحظ ، الحيوان 7 : 220 ) .
وكانت الحركة الشعوبية قد قويت ، لكنّها كانت دائماً تلاقي صدىً سياسياً واجتماعياً عنيفاً ، لكن الحال تغيّرت في القرن الرابع فقد تمكّن الأعاجم من السيطرة على مراكز النفوذ السياسي والاجتماعي . . . فهذا التّوحيدي يصف ذلك بقوله : « ألا ترى أنّ الحال استحالت عَجماً كِسرَويّة وقَيصريّة ، فأيْنَ هذا من حديثِ النبوّة الناطقة والإمامةِ الصّادقة . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 2 : 76 ) .
ثمّ يضيف : « ولكن لمّا غلبت عليهم العزّةُ ودخلت النُّعَرةُ في آنافِهم وظهرت الخُنزُوانةُ « 1 » بينهم ، سموّا آيين « 2 » العجم أدباً وقدّموه على السُّنّة التي هي ثمرةُ النبوّة » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) .
هامش
( 1 ) - الخنزوانة : الكبر .
( 2 ) - آيين العجم : عرفهم وعادتهم ؛ وهي كلمه فارسية .