تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
فهذا أبو عبد الله المرزباني ( ت عام 378 ) شيخ أبي حيّان إذا سمع غناء خلوب الجارية : « جُنَّ واستغاثَ وشَقّ الجَيبَ وحَوْلَق « 1 » » ( المصدر نفسه 2 : 177 ) ، ثمّ أضاف المرزباني قائلًا : « متى قَدّر اللهُ هذه الأشياءَ وقَد نَهى عَنها ولو قدَّرَها كان قد رَضِىَ بها ولو رضِىَ بها لما عاقَبَ بها ، لعن الله الغَزَل إذا شيب بمَجانة ( قلّة الحياء ) ، والمجانةَ إذا قُرنت بما يَقدَحُ في الدِّيانة . . . » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) . وهذا ابن فهم الصّوفي ينسى ما حوله ويفقد وعيه طرباً على غناء جارية ابن المغنّي ويصفه التوحيدي بقوله : « فإنّه إذا سمع هذا منها ضَرَبَ بنفسه الأرضَ وتمرّغَ في التّراب وهاجَ وأزبَدَ وتعفّر شَعرَهُ وهاتِ من رجالك من يَضبُطه ويُمسِكه ومن يجسُرُ على الدنوّ منه ، فإنّه يعَضُّ بنابِهِ ويَخمِش بظُفْره ويركُلُ برِجله ويُخَرّقُ المرقَّعَةَ قطعةً قطعةً ويلطِمُ وجهه ألفَ لَطمةٍ في ساعة ويخرج في العَباءةِ كأنّه عبد الرزاق المجنون صاحبُ الكيل في جيرانك بباب الطّاق . » ( المصدر نفسه 2 : 166 ) إنّ هذا الرّسم لنشوة ابن فهم وسكره قد يكون التوحيدي قد بالغ فيه عمداً ، لكنّه يبقى رغم كلّ شيء دالّاً أصدق دلالة على مدى شغف النّاس بالغناء وتأثّرهم به . ويحدّثنا التوحيدي في طيّات كتابه عن مطربة يُقال لها صَبابة : « وكانت في الحُسن والجمال فوقَها وفي الصَّنعةِ والحِذق دونَها وزَلزَلتْ هذه بغدادَ في وقتِها ولم يكُنْ للناس غيرُ حديثها ، لنوادِرِها وحاضر جوابِها وحِدَّة مِزاجها وسُرعةِ حركتِها بغير طَيش ولا إفراط . . . وهذه شمائلُ إذا اتَّفقتْ في الجواري الصانعاتِ المُحسناتِ خَلبنَ العقولَ وخَلسْنَ القلوبَ وعجِلنَ بعُشاقهّن إلى القُبور » ( المصدر نفسه 2 : 182 ) .
هامش
( 1 ) - حولق : أي أكثر من قول لاحول ولا قوة إلّا بالله .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 144 | مهدي عابدي