تطلبَ الرّوحَ عند تكاثُف الملل الدّاعي إلى الحَرَج ، فإنّ البدنَ كثيفُ النَّفْس ولهذا يُري بالعَين . » ( المصدر نفسه 1 : 27 - 28 ) .
وفي نفس هذا المعنى يقول الوزير ابن سعدان تعليقاً على أحاديث المجون التي سمعها من أبي حيّان في الليلة الثّامنة عشرة : « وربّما عِيب هذا النمطُ كلَّ العَيب وذلك ظُلم ، لأنَّ النَّفسَ تحتاج إلى بِشرٍ وقد بلغني أنّ ابنَ عبّاس كان يقول في مجلسه بعد الخَوضِ في الكتاب والسّنة والفقه والمسائل : أحمِصُوا وما أراه أراد بذلك إلّا لتَعديل النفس لئلّا يلحَقَها كَلالُ الجدّ ولتَقتَبِسَ نشاطاً في المستأنَف ولتستعدَّ لقبول ما يَردُ عليها فَستمَع . . . » ( المصدر نفسه 2 : 60 ) .
إنّنا لا ننكر القيمة العلمية لهذا التعليل النفسي . إذ الإنسان بحاجة إلى فترات هزل وانبساط تتلو فترات الجدّ والعمل . لكن ألا يكون الترويح على النفس إلّا بالمجون وحضور مجالس الخلاعة ؟ وقد كانت لهذه المجالس نتائج اجتماعية واضحة ، فقد انتشر الغناء انتشاراً واسعاً إذ كثر المغنّون والمغنّيات من جميع الطبقات وقد أعطانا التّوحيدي إحصاءً قام به مع جماعة من أصحابه لعدد المطربين والمطربات ببغداد سنة سنين وثلاثمائة للهجرة فوجدوا بها :
« وقد أحصَيْنا ونحن جماعةٌ في الكَرخ أربعمائةٍ وستّين جاريةً في الجانبَين ومائةً وعشرين حُرّة وتسعين من الصِّبيان البُدُور يجمعون بين الحِذْق والحُسن والظَّرف والعِشرة ، هذا سِوى مَن كنّا لانَظفَرُ به ولانَصِلُ إليه لعزّته وحَرَسه ورُقبائه وسِوَى ما كُنّا نَسمَعه ممّن لايتظاهر بالغِناء والضَّرب إلّا إذا نشط في وقت أو ثمِلَ في حال . . . » ( المصدر نفسه 2 : 183 ) .
ويضيف قائلًا : « وخَلَع العِذارَ في هوىً قد حالَفَهُ وأضناه وترنَّم وأوقَعَ وهزّ رأسَه وصعَّدَ أنفاسَه وأطرب جُلّاسَه . . . » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) .
إنّ أرقام هذا الإحصاء هي أبلغ معبّر عن مدى انتشار الغناء بين الخاصّة والعامّة ، فقد صار للغناء تأثير واضح في حياة الناس يطربون لسماعه طرباً شديداً ، يتجاوزون خلاله أطوارهم العادية ، فلا يتماسكون عن القيام بحركات « لاواعية » ، بل جنونية هسترية كثيراً ما تفقدهم عقولهم ووقارهم .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 143
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٤٣