ويصف لنا أبوحيّان ، القاضي أبا الحسن الجرّاحي في وقاره بمجلس القضاء في « ردائه المُحَشَّى وكمّيه المُفَدَّرَيْن « 1 » ووَجنَتَيهِ المُتَخَلِّجَتَين « 2 » وكلامه الفَخم واطراقِه الدّائم » ( المصدر نفسه 2 : 168 ) . ثمّ يصفه لنا هازلًا ماجناً بمجلس الغناء : « يغمز بالحاجب إن رأي مِرْطاً « 3 » وأمّل أن يُقَبِّل خَدّاً وقُرطاً على غناء شُعلة :
« لابدَّ للمُشتاقِ من ذكر الوَطَنْ * واليأسِ والسِّلوةِ من بَعدِ الحَزَنْ »
وقيامتُه تقوم إذا سمعها تُرجِّع في لحنها :
« لو أنَّ ما تَبتليني الحادثاثُ بِهِ * يُلقَى عَلى الماء لَم يُشرَب من الكَدَرِ »
فهناك ترى شَيبةً قد ابتلّت بالدُّموع وفُؤاداً قد نزا إلى اللَّهاة ، مع أسفٍ قد ثقبَ القلبَ وأوهن الرّوحَ وجاب الصّخرَ « 4 » وأذاب الحديدَ وهناك ترى والله أحداقَ الحاضرين باهتةً ودموعَهم متحدِّرة . . . » ( المصدر نفسه 2 : 168 ) .
ولعّل أبرز مثال على هذا التباين السلوكي شخصية أبي سليمان السجستاني ، فالكتاب ثرىٌّ ومفعمٌ بآرائه ومواقفه الجدّية في السّياسة والفلسفة والشريعة وغيرها من المواضيع وهو إلى جانب ذلك يشارك في مجالس الغناء ويطرب طرباً شديداً لغناء صبيّ موصليّ : « فتنَ الناسَ وملأ الدنيا عِيارةً « 5 » وافتضح به أهلُ النُّسكِ والوقارِ وأصناف النّاس من الكبار والصّغار بوجهه الحسَنِ وثَغره المبتَسَم وحديثه السّاحِر ، وطَرْفه الفاتِر ، وقَدّه المَديد ، ولفْظِه الحُلو ، ودَلّه الخَلوب ، وتمنّعه المُطمِع ، وإطماعه الممنِّع وتشكيكِه في الوصْل والهَجر . . . » ( المصدر نفسه 2 : 173 - 174 ) .
هامش
( 1 ) - التفدير في الثّوب ، أي الزّيادة والفضل .
( 2 ) - المتخلّجتان ، أي المضطربتان المرتعشتان ويكون ذلك من الضعف وكبر السنّ .
( 3 ) - المرط من ملابس النساء معروف .
( 4 ) - جابَ الصّخر : قطعه .
( 5 ) - العيارة : تخيلة المرء نفسه وهواها لا يردعها ولا يزجرها .