تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
وفي هذا العصر صارت مجالس النّاس تشتمل على هذين المظهرين في نفس الوقت ، مثال ذلك مجلس « رُسل سجستان » الذي وصفه أبوحيّان في الليلة الثالثة ، فقد ضمّ هذا المجلس بعض رجال السّياسة والعلم والأدب من ناحية ومطرباً وراقصاً وجاريةً مغنّية من ناحية أخرى ( المصدر نفسه 1 : 54 ) . وقد خاض القوم في السياسة طويلًا وتمتّعوا طبعاً بالغناء والرّقص وما تبعهما من الملذّات وهكذا كانت مجالس الوزير ابن سعدان التي كان يحضرها التّوحيدي تجمع بين أحاديث الجدّ والمزاح . فكانت أغلب اللّيالي تختم بما يسمّى « ملحة الوداع » ( المصدر نفسه 1 : 47 ) ، وقد طلب ابن سعدان من مسامره أن يجعل اللّيلة الثامنة عشرة كامله مجونية ، فقال له : « تعالِ حتى نجعلَ ليلَتَنا هذه مجونيّةً ونأخذ من الهزل بنصيبٍ وافرٍ ، فانّ الجدّ قد كَدَّنا ونالَ من قُوانا وملأنا قَبضاً وكَرباً » ( المصدر نفسه 2 : 50 ) . نستنتج من هذه الأمثلة الكثيرة الوفيرة أنّ المزج بين الجدّ والهزل قد صار في القرن الرابع للهجرة أمراً طبيعياً وإلّا فكيف نفسّر حضور قاضي القضاة وقارئ القرآن والمتصوّفين في مجالس الغناء واللهو والمجون ؟ كما نستنتج أنّ هذه الظاهرة قد أقبلت عليها كلُّ الفئات الاجتماعية رغم تباينها الطبقي ، فكانت لذلك ظاهرة عامّة . ونجد في الكتاب تبريرات هامّة للمزج بين الجدّ والهزل ، هي تبريرات نفسية : فالنّفس في نظر أبي حيّان تملّ الجدّ ، كما أنّ البدن يكلّ عن الإرهاق لذلك صار من الضروري الترويح عنها كما يروّح عن الجسم . يقول أبوحيّان : « النفسُ تملُّ كما أنّ البدنَ يَكلُّ وكما أنّ البدنَ إذا كَلَّ طلبَ الرّاحةَ ، كذلك النّفسُ إذا ملّت طلبت الرَّوْحَ « 1 » وكما لابدّ للبدن أن يَستمدَّ ويَستفيد بالجَمام « 2 » الذّاهب بالحركة الجالبة للنَّصَب والضّجر ، كذلك للنّفسِ من أن
هامش
( 1 ) - الرَّوْح : الراحة . ( 2 ) - الجمام : الرّاحة .