تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
شيطانٌ في مَسْكِ انسان وصبُح وجهُهُ وعذُب لفظُه وحسُنَ جسمُهُ وعُشِق وعَشِق . . . » ( المصدر نفسه 3 : 161 - 160 ) . يبرز هذا الوصف نمط حياة الخاصّة ونمط حياة العامّة ويظهر التباين بين هاتين الطّبقتين مادّياً ومعنوياً بشكل واضح ، فالتّضاد بين من ينعم بالتّرف ومن يشكو الجوع ليس بحاجة إلى دليل والتقابل بين الحظوة الاجتماعية للخاصّة والمهانة الاجتماعية للعامّة تزيد هذا التّباين والتّضاد عمقاً واستفحالًا . ألا يفرز هذا التضاد الطّبقي إنعكاسات اجتماعية ؟ إنّ مجتمعاً يبلغ فيه التّضاد الطبقي هذا الحدّ ولايتحرّك فيه المحرومون لهو مجتمع ميّت جامد . وما كان المجتمع في القرن الرابع كذلك ، إذ رفضت العامّة الخصاصة فبدت ضاجّة ثائرة بدليل الأقوال التالية التي نقرؤها في كتاب الإمتاع والمؤانسة : « المحروم ساخطٌ » و « لما نزل الوزيرُ ليركب المركَب عَجّوا وضَجّوا وذكروا غلاءَ القُوتِ وعَوزَ الطّعامِ وتَعذّرَ الكسبِ وتهتّكَ صاحبِ العيال وأنّه أجابهم بجواب مُرٍّ مع قُطُوب الوجهِ واظهار التَبرّم بالاستغاثةِ : بعدُ لم تأكلوا النُّخالَةَ » ( المصدر نفسه 2 : 26 ) و « غلا السّعرُ وأخيفت السُّبُلُ وكثُرَ الارجافُ وساءت الظّنونُ وضَجّت العامّةُ . . . وانقطعَ الأملُ . . . » ( المصدر نفسه 3 : 92 ) . في هذه الفقرات ، مفرداتٌ وجملٌ وكلمات تدلّ على الثّورة والغضب مثل : « ساخط ، عجّوا ، ضجّوا ، ضجّت » وهذه الثّورة هي الردّ الطبيعي والإنعكاس الذّاتي على المهانة الاجتماعية والخصاصة المادية . لكن أبرز ردّ فعل على هذا الفرق الطبقي هو ثورة العيّارين سنة 362 وقد سبق أن أشرنا إليها آنفاً في حديثنا عن أحوال العامّة ، لكنّنا نريد أن نؤكّد أنّ ردّ الفعل مع العيّارين تجاوز السخط والضّجيج إلى أخذ السّلاح وسفك الدماء ، يقول التوحيدي : « شنَّتِ الغارةُ واتّصل النّهبُ وتَوالي الحريقُ حتّى لم يصل إلينا الماءُ من دِجلةَ . . . » ( المصدر نفسه 3 : 160 ) .