لمّا دارت الحرب بين العيّارين وبين أصحاب طاهر سنة سبع وتسعين ومائة ، خرج قائد من قوّاد خراسان ممّن كان مع طاهر ابن الحسين من أهل البأس والشدّة ، فنظر إلى قوم عراة لا سلاح لهم فاستهان بهم واستحقرهم و « قال لأصحابه : ما يقاتلنا إلّا ما أرى ؟ قالوا : نعم ، هؤلاء ( الذين استحقرتهم ) هم الآفة . قال : أفٍّ لكم حين تخيمون عن هؤلاء وتَنكصون عنهم وأنتم في السّلاح الظّاهر والعُدّة وأنتم أصحاب الشَّجاعة والبسالة وما عسي أن يبلغ كيدُ هؤلاء بلا سلاح ولا جُنّة » ( مسكويه 4 : 89 - 90 ، الطبري 11 : 885 ) .
ولعّل علّة نشوء هذه الفرقة في المجتمع العباسي ترجع إلى اختلاف العوائد والمستوي الاجتماعي ، « فقد كانت هناك طبقة الأثرياء الذين يمتلكون الأموال الطائلة ، بينما هناك من لا يجد قوتَ يومه ، أدّى ذلك إلى ظهور طبقة العيّارين والشطّار ، الذين عاثوا في البلاد فساداً وقد زاد من انتشارهم ضعفُ السلطة وعدمُ الاستقرار السياسي « 1 » » ( ابن الجوزي 1 : 19 ) .
وهذا أبوحيّان التوحيدي يصف واحداً منهم وهو أسود الزّبد بقوله : « كان عَبداً يأوي إلى قَنطرة الزّبد ويَلتقطُ النَّوى ويَستطعمُ من حُفَر ذلك المكان بلهوٍ ولعبٍ وهو عريانٌ لايتواري إلّا بخِرقَةٍ ولايُؤبه له ولايُبالي به . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 3 : 160 وابن الجوزي 14 : 235 ) .
ألا تعبّر هذه الجمل عن شدّة ما تعانيه هذه الفئة الاجتماعية من سوء الأحوال مادّياً ومعنوياً ؟ فلعلّ هذا ما يفسّر انتهازها فرصة تصدّع المجتمع خلال مهاجمة الرّوم للمسلمين سنة 362 : ه فاشتغلت هذه الفرصة للإغارة والنّهب والسلب . ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 3 : 160 - 162 ) وصار هؤلاء الضّعفاء الفقراء ، أغنياء أقوياء كما ذكر أبوحيّان عن أسود الزّبد هذا بعد هذه الإغارة والنّهب : « أنّه اشترى جارية كانت في ( سوق ) النَخّاسين عند الموصلي بألف دينار وظهر منه
هامش
( 1 ) - وكان من محاسنهم ولا شكّ الكرم وخصوصاً تحبّب الخلفاء والأمراء العامّة بأساليب السّخاء كالضيافة يتجمّع عليها الألوف من النّاس . ثمّ انّهم تفنّنوا في الأثاث والرياش والمجوهرات وشاعت بينهم المسكرات . ( أمين 274 : 2 ) .