تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
فأجابه : « أجل ، أمّا أنا فالطّعامُ الرَّقيقُ أعجبُ إلىَّ من الغِناء . » . فردّ عليه قائلًا : « إي والله ولحمُ البقر والجواميس والتيوسِ الجبليَّة بالباذنجان المبزَّر « 1 » أيضاً تُقدّمُه ؟ ! » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) . أما العامّة فيصورّها التّوحيدي في أماكن كثيرة من الكتاب تعاني الفقر المُدقع وتعيش الجوع المؤلم فتتسوّل وتلبس أحقر الثّياب وليس أدلّ على صدق هذه الأحوال من شهادة رجل من الخاصّة هو الوزير ابن سعدان الذي يقول واصفاً العامّة : « ولم أقابل عامّةً جاهلةً جائعةً بمثل هذه الكلمة الخشناء وهذا يقوله من طرح الشرَّ وأحبّ الفسادَ وقصد التَّشنيع علىَّ والإيحاش منّي » ( المصدر نفسه 1 : 176 ) . وقد تحدّث أبوحيّان عن المتصوّفين ووصف أحوالهم المادية البائسة وضنك ما يعانونه من الجوع . ( نقلًا عن شيخ من الصّوفية سنة 370 : ه بنيسابور في حين تبلبل دولة آل سامان ) . يقول أحد المتصوّفين واصفاً حياته وحياة أصحابه : « كنّا جماعةً غُرباءَ نأوي إلى دُويرة الصّوفيّة لا نَبرحُها ، فتارةً نقرأ وتارةً نُصَلّي وتارةً ننام وتارةً نَهذي والجوعُ يعمل عملَه ونخوض في حديث آل سامان والواردِ من جِهَتِهم إلي هذا المكان . » ( المصدر نفسه 3 : 92 ) . ثمّ يضيف قائلًا : « نحن قومٌ قد رضينا في هذه الدُّنيا العَسيرة ولهذه الحياة القصيرة بكِسْرةٍ يابسةٍ وخِرقَة بالية وزاويةٍ من المسجد مع العافية من بَلايا طُلّاب الدُّنيا ، فما هذا الذي يَعترينا من هذه الأحاديث التي ليس لنا فيها ناقةٌ ولا جمل ولا حظٌّ ولا أمَل » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) . وكان يبلغ بهم الجهد من معاناة الجوع فلا يجدون ما يمسك الرّوح وذلك ما وقع لبعضهم في شهر صفر سنة أربع وخمسين وثلاثمائة للهجرة وكانوا قد أشرفوا على الهلاك والتّباب ولكنّهم حصلوا على شئ من الدقيق بعد جهد شديد وسعي مزيد ، لكنّهم لم يجدوا الوقود لطبخه فبقوا
هامش
( 1 ) - المبزّر : أي ذات الحبوب والبذور .