وامتلاك الخاصّة للمال والجاه مكّنها من العيش المترف ، فكانت تلهو وتعبث وتنفق الأموال إرضاءً لشهواتها وارتغاء رغباتها : فهذا الأمير عزّالدولة ( ت عام 366 ) قد غادر بغداد - مقرّ الخلافة - وذهب إلى الكوفة ينعم بلذّتي الصّيد والغناء وما يتبعهما من ملذّات المأكل والمشرب ( المصدر نفسه 3 : 152 ) .
وهذا أبو عمر الشاري صاحب الخليفة يدعو أحد المتصوّفين إلى مائدته واصفاً له مختلف أنواع المآكل الفاخرة الموجودة فوقها قائلًا : « إنهض بنا حتّى نتغذّى فإنّ عندي مصوصاً « 1 » وهُلاماً « 2 » وبقيَّة مُطَجّنة وشيئاً من الباذنجان البورانيّ البائت المخمّر » وقال الصّوفي : « هذه كلّها تزايين المائدة ، فأين الأُدم ؟ » ( المصدر نفسه 3 : 76 ) .
وهذا أبو الفضل بن العميد ( ت سنة 366 ) كما يصفه أحد أعوانه : « لاهٍ ساهٍ . . . بالكاس والطّاس والغناء والقَصْفِ والنّاي والعُود والصَّبوح والغَبوق والشَّراب المروَّق « 3 » العَتيق . . . » ( المصدر نفسه 3 : 218 ) .
ومظاهر لهو الخاصّة متعدّدة في « الإمتاع والمؤانسة » ومن مظاهر لهوها وترفها أنّنا نجد بعض أفرادها يتجادلون حول المفاضلة بين الطّعام والغناء . وفي ذلك دليل قاطع على أنّ هذه الطّبقة لم تعرف الحرمان والعوز ولم تكابده . فالتوحيدي يروى لنا حواراً دار بين رجلين بمجلس أحمد بن يوسف الكاتب ، أخذ الأوّل في ذمّ الغناء . فردّ عليه الثّاني ( إسحاق الموصلي ) بقوله : « قصدتَ إلى أرقّ شيء خَلقهُ اللهُ وأليَنِه على الأذن والقَلب وأظهَرِهِ للسّرور والفرح وأنفاه للهمّ والحزن وما ليس للجوارح منه مؤونةٌ غليظة وإنما يَقرعُ السّمعَ وهو منه على مسافة ، فتَطرَبُ له النفس فذممتُه ؟ ! » ( المصدر نفسه 3 : 80 ) .
هامش
( 1 ) - طعام من لحم يطبخ وينقع في الخلّ ويكون من لحم الطّير خاصّة .
( 2 ) - طعام من لحم عجل بجلده وقيل مرق السكباج المبرد المصفّى من الدّهن .
( 3 ) - الشراب المروَّق : الشراب المصفّي . ( المعجم الوسيط ، مادّة روق ) .