تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
ذهبت أدراج الرّياح مناداة الإسلام بهدم الفوارق العصبيّة بين القبائل والفوارق الجنسية بين الشعوب ومن أهمّ الكُتّاب الذين كانوا يستشعرون هذه النزعة الحمقاء ، سعيد بن حميد بن البختكان وكان من أبناء دهاقين الفرس وله في الشعوبية والتعصّب لقومه كتب مختلفة منها كتاب فضل العجم على العرب وإفتخارها . ( ابن النديم 185 ) . ولعلّ أسوأ ما أدّت اليه هذه الشّعوبية الحمقاء ، ظهورالزّنادقة الذين كانوا يبغضون العرب وكلّ ما اتّصل بهم من اسلام وغير اسلام . ( الجاحظ ، الحيوان 7 : 220 ) ولم تهدأ حركة الإلحاد والزّندقة في هذا العصر ، بل لقد اشتدّ أوارها إذ تحوّل كثيرون منهم إلى التّشكيك في النّبوات العامّة وكان من أشدّهم نفرٌ بدؤا حياتهم في صفوف المعتزلة وما زالوا يبطنون الإلحاد حتى افتضح أمرهم وانكشف سرّهم وفي طليعتهم أبو عيسى الورّاق ( المسعودي 4 : 23 ) . وأخذت تتّسع في هذا العصر موجة التصوّف وكانت مقدّماتها أخذت تظهر منذ أواخر القرن الثّاني الهجري عند إبراهيم ابن أدهم وشقيق البلخي صاحب اليد الطولى في مبدأ التوكّل واشاعته بين أوائل المتصوفة ( الزّهري 2 : 21 ) . لم يكن التصوّف علماً ولا فلسفة ولا مذهباً وإنّما كان أحوالًا ومقامات ونشعر أنّ معالم التصوّف ومبادئه أخذت في الوضوح منذ أوائل النصف الثاني من القرن الثالث الهجري حتى لتنشأ طبقة تحاضر فيه مثل يحيي بن معاذ وأبي حمزة الصّوفي وهو أوّل من تكلّم على رؤوس المنابر ببغداد في اصطلاحات الصّوفية ( المصدر نفسه 3 : 46 ) ، ومثل أبي سعيد الخرّاز وهو أوّل من توسّع في الكلام عن الفناء . ( المسلمي 223 ) . وأخذ يشيع منذ القرن الرابع ( العصر العباسي الثاني ) نظام الطُّرُق والمريدين في التصوّف ، فللإمام الصّوفي طريقة ، يحملها عنه مريدوه من تلامذته وأتباعه وينشرونها في موطنه وغير موطنه من العالم الإسلامي وأتاح هذا النظام البقاء لكثير من طرق الصّوفية وصبغها بصبغة جماهيرية شعبية وبذلك أوجد صلة وثيقة بين الشيخ ومريديه وتلامذته ، فكانوا يأتمرون بأوامره وتوجيهاته وينتهون عن نواهيه ، ومنذ أواخر القرن الثالث الهجري تلقانا ظاهرة جديدة في بيئات المتصوّفة ، منذ أبو الحسين