تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
الأمر الأوّل : التصوّف فإنّ كثيراً من النّاس لما عزّ عليهم أن ينالوا ما يطلبون ، قلّلوا مطالبهم فتصوّفوا وعلّموا أنفسهم الزّهد والورع والكبت . فكثر التصوّف من هذا الباب جرياً على قولهم : « إذا لم يكن ما تريد فأرِدْ ما يكون » . ( الفسويّ 2 : 233 ) . والأمر الثّاني : ما شاع في هذا العصر من لصوص سمّوا « الشطّار » كانوا يقطعون الطّريق على الناس ويفرضون ضرائب معيّنة علي البيوت ، من لم يدفعها هوجم وأخذ ماله ، وقد حكت لنا كتب التاريخ كثيراً من ذلك وأنّ فرقة سمّيت « المتطوّعة » ندبت نفسها للقضاء على هؤلاء الشطّار ( راجع : ابن الأثير ، الكامل في التاريخ 6 : 324 ، ابن خلدون 3 : 309 ) . ويقول ابن الأثير : « إنّ العيّارين ظهروا في سائر المدن الاسلامية وعظم شأنهم وكثيراً ما كان الوزراء وغيرهم من أرباب الحّل والعقد يقاسمونهم ويسكتون عنهم وكانوا يمتازون بملابس خاصّة وسمّاهم ابن بطوطة في أيّامه بالفتّاك وبعضهم كان يزعم أنّ الأغنياء لمّا امتنعوا عن دفع الزكاة أخذوها هم قسراً » . ( المصدر نفسه 1 : 398 ، الدينوري 51 ، ابن الجوزي 2 : 90 ) . وكان من محاسن الخلفاء والأمراء - ولاشكّ الكرم - وخصوصاً تحبّبهم إلى العامّة بأساليب السّخاء كالضّيافة ومدّ الأسمطة والموائد للطّعام ، يتجمّع عليها الألوف من الناس . وكان من عادة الخلفاء والأمراء اهتمامهم بالخروج للصّيد والقنص واشتهر غير خليفة بالخروج له ومعه الكلاب والصّقور والفهود وكان من أشدّ الخلفاء شغفاً به المعتضد العباسي ولم يكن ينفكّ من حرب إلّا وتهيّأ إلى صيد ولا من صيد إلّا واندفع إلى حرب و « كان يخرج لصيد الأسد فيخيّم عليها حتّى لا يبقى منها باقية » ( الكشاجم 5 ) . ويحكي عن السّلطان مسعود السلجوقي أنه بالغ في ترفيه كلاب الصّيد حتى ألبسها الجلال الموشّاة وسوّرها بالأساور من الذّهب وكان من عادة الخلفاء جمع السّباع وتربية الحيوانات الدّاجنة وتأنيس الغزلان . وكانت العامّة تجد تسليتها المحبّبة عند القصّاص الذين كانوا منتشرين في طرقات بغداد وكانوا يقصّون عليها نوادر الأخبار وغرائبها ويبدو أنّهم كثروا كثرة مفرطة حتى لنرى « المعتمد يأمر في سنة 279 بالنداء في بغداد ألّا يقعد على الطّريق ولا في المسجد الجامع قاصّ ولاصاحب نجوم ولا زاجز . » ( الطبري 10 : 54 ، الزّهري 3 : 80 ) . ومن أشهر هؤلاء الحكّائين المضحكين لعصر المعتضد
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 129 | مهدي عابدي