وكان كرخ بغداد يكتظّ بالمقيّنين وكانوا منبثّين في سامرّاء أيضاً وتحوّلوا بدورهم إلى ما يشبه حانات كبيرة ففيها الخمر وفيها القيان المغنّيات وفيها الجواري الظّريفات الأديبات وكان الشعراء يختلفون إلى هذه الدور أو إلى هذه الحانات .
ولاشكّ في أنّ كل ما قدّمنا قد أعدّ لانتشار المجون والخلاعة في سامراء وبغداد إذ كانت الخمر في كلّ مكان ومعها القيان والجواري المبتذلات ، فكان من الطبيعي أن يعمّ كثير من الشعر الصّريح ، بل المفرط في إباحيّته وفي التعبير عن الغرائز الجسدية ، أضف إلى ذلك أنّ هؤلاء المجّان والخلعاء قد تورّطوا في آفة مزرية هي آفة الشّغف بالغلمان المرد ، على أنّ من أصحاب هذا الغزل المُزري من ارتفعوا به عن أدران المادّة وجعلوه غزلًا أفلاطونياً نقيّاً ، على نحو هو ما معروف عن الفقيه محمد بن داود الأصفهاني وتعلّقه بمحمد بن جامع الصّيدلاني « 1 » . ( ابن العبري 98 ) .
وظلّت في هذا العصر نيران الشّعوبية « 2 » مستعرة ، إذ مضى كثيرون يشيدون بفضائل الشّعوب القديمة وحضارتها ومدنيّتها وفي مقدّمتها الفرس بسياساتهم وآدابهم والرّوم بعلومهم وفلسفاتهم وكأنما
هامش
( 1 ) - جاء في التاريخ : « كان محمّد بن داود يميل إلى محمّد بن جامع الصيدلاني ، وبسببه عمل الكتاب « الزهرة » ، وقال في أوله : وما ننكر من تغيّر الزمان وأنت أحد مغيريه ، ومن جفاء الإخوان وأنت المقدّم فيه ، ومن عجيب ما يأتي به الزمان ظالم يتظلّم ، وغابن يتندّم ، ومطاع يستنصر . قال الحسن : وبلغنا أن محمّد بن جامع دخل الحمام وأصلح من وجهه ، وأخذ المرآة فنظر إلى وجهه فغطّاه ، وركب إلى محمّد بن داود ، فلمّا رآه مغطي الوجه خاف أن يكون لحقته آفة . فقال : ما الخبر ؟ فقال : رأيت وجهي الساعة في المرآة فغطّيته وأحببت ألا يراه أحد قبلك : فغشي على محمّد بن داود . » ( ابن الخطيب 2 : 328 )
( 2 ) - وممّن كان يذهب هذا المذهب في العداوة للعرب ، المتوكّلي الشاعر المنسوب إلى المتوكّل لأنه كان من ندمائه إذ يقول في شعوبية حاقدة :« أنا ابنُ الأكارم من نَسْل جَمّ * وحائزُ ارثِ ملوكِ العجمْ
وطالب أوتارهم جَهرةً * فمن نام عن حقّهم لم أنَمْ
فقُل لبني هاشمِ أجمعين * هلمّوا إلى الخَلع قبل النَّدمْ »( أمين 65 : 1 )