تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
والطّبقة الأولى كانت تغرق في النّعيم ، يتقدّمها الخلفاء وكانت تجبى إليهم أموال الخراج من سواد العراق وأقاصي الدولة وأدانيها وقصور الخلفاء والأمراء وأمثالهم واسعة كلّ السّعة ، مترفة كلّ التّرف ، فعلى سبيل المثال ، نرى المعتضد العباسي قد بني قصر « الثّريّا » وكان أبنية متلاصقة ووصل بينها وبين قصر التاج بسرداب طويل لتمشي فيه خطاياه وفيه يقول ابن المعتزّ :
« وبُنْيانُ قَصْرٍ قَدْ عَلَت شُرُفاتُهُ * كَصَفِّ نساءٍ قَد تَرَبّعنَ فِي الأُرزِ »
( ابن المعتز 215 ) . وقد اشتهر في هذا القرن ( أي القرن الرابع ) عدد كبير من الأرستقراطيين نذكر من بينهم على اختلاف أنواع أرستقراطيّتهم إبراهيم الصّابي ، معزّالدولة ابن بويه ، جحظة البرمكي ، المتنبّي ، أبا علي القالي ، ابن خالويه ، ابن نباتة ، سيف الدولة ، عضدالدولة وابن العميد و . . . وشاعت كثرة المجالس ، فكان بعض الأمراء والوزراء يعقدون مجالس يجري فيها الأدب والعلم وأحياناً الشراب ويروى لنا التاريخ مجالس كثيرة من هذا القبيل وربّما تنافس الأمراء في ذلك بعد استقلالهم ، فخراً بسلطتهم ومن يتّصلون بهم ويحكى لنا الثعالبي : « أنّ سيف الدّولة كان في مجلسه من الشعراء وغيرهم مثل ما كان للرّشيد ومن خرّيجي مجالسه : المتنبّي وأبو فراس والفيلسوف الفارابي وابن خالويه النحوي وغيرهم » ( الثعالبي 4 : 204 ) .

3 - 1 - 2 - تفشّي اللّحن :

ومن مظاهر هذا العصر تفشّي اللّحن وخصوصاً في البيوت والشوارع وذلك لكثرة الجواري الأعجميات وغلبة الأتراك حتّى على القصور ، فانتشرت الياء في آخر الكلمات وأبدلوا جمع فعاليل بفعالل وقالوا أخير وأشرّ بدل خير وشرّ وكان الّلحن أفشى حتّى بين العلماء وقالوا « إنّ ثعلباً النّحوي الشّهير كان يتكلّم في مجالسه فيلحن » ( عبّاس ، تاريخ النقد الأدبي عند العرب 83 ) وربّما كان هذا هو السّبب الذي دعا بعض العلماء المتزمّتين إلى وضع كتب في ألحان العوامّ كما فعل الحريري وغيره وبهذا أيضاً تكوّنت اللّهجات العامّية في الأقطار المختلفة وأصبح لكلّ قطر لغة عامية . وقد