للّدولة الإسلامية من الانقسام ، فقد كانت المملكة الاسلامية كلّها في العصر العباسي الأوّل إذا استثنينا الأندلس وبعض بلاد المغرب - تكوّن كتلة واحدة وتخضع خضوعاً تامّاً للخليفة في بغداد ، ثمّ أخذ هذا السلطان يقل شيئاً فشيئاً بضعف الخلافة حتى تمزّقت المملكة كلّ ممزّق وأخذت الأقطار الاسلامية تستقلّ عن بغداد شيئاً فشيئاً ، فصارت المملكة الإسلامية عبارة عن دول متعدّدة مستقلة وأصبح لكلّ دولة مالها وجندها وإدارتها وقضاؤها وقد سُوِّدت صحف التاريخ بالقتال المستمرّ بين هذه الدول ولكن لم يكن له أثر سلبي في العلم والأدب ، بل العكس هو الصحيح فنحن نرى أنّ العلم والأدب قد بلغا درجة من الرقيّ لم يكونا عليها من قبل ، وأنّه لم يؤثر فيهما كثيراً ضعف الخلافة في بغداد ، لأنّه حينما استقلّت الأقطار أصبحت كلّ عاصمة من عواصمها ، مركزاً هامّاً لحركة علمية أدبية ، فأمير كلّ قطر كان يعطي عطاء خليفه بغداد ويزيّن عاصمته بالعلماء والأدباء ويفاخر أمراء الأقطار الأخرى في الثّروة العلمية والأدبية ، فبعد أن كان للعلم والأدب مركز واحد هامّ ، أصبحت لهما مراكز هامّة متعدّدة ، حتى نرى الأمراء الأتراك الّذين لا يحسنون العربية كانوا يحبّون أن تزيّن قصورهم بالعلماء والأدباء ( أمين 1 : 78 - 82 ) .
وحينما ننظر إلى كلّ قطر من أقطار العالم الإسلامي في ذلك العصر ، نرى أنّ الثروة لم تكن موزّعة توزيعاً عادلًا ولا متقارباً ونرى الفروق الطّبقية بين الطّبقات الاجتماعية ظاهرة العيان والتّباين الطّبقي واضح كلّ الوضوح ، كما أنّنا نرى أن لا يتمتّع بها إلّا فئة معيّنة من المجتمع ، هي الطبقة الحاكمة التي تتشكّل من الخليفة وحاشيته مثل الأمراء ومن يلوذ بهم من الأدباء والعلماء وبعض التّجار ، أمّا عامّة الناس فليس لها نصيب سوى البؤس والشقاء والفقر .
وكان ينقسم المجتمع في العصر العباسي الثّاني ثلاث طبقات أساسية : طبقة عليا تشتمل على الخلفاء والوزراء والقوّاد والولاة ومن يلحق بهم من أصحاب الإقطاع من الأعيان وذوي اليسار وطبقة وسطى تشتمل على رجال الجيش وموظّفي الدواوين والتّجار والصنّاع الممتازين ، ثمّ طبقة دنيا تشتمل على العامّة من الزّراع وأصحاب الحرف الصّغيرة والخدم والرّقيق ويأتي في إثر تلك الطبقات أهل الذّمّة . ( ضيف 124 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 126
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٢٦