أركان الدولة وهو يقول : « متى كان السائسُ ذا تخطُّطٍ وتتبّعٍ وحَزمٍ وإكبابٍ على لمّ الشَّعثِ وتقويم الأوَد وسَدّ الخَلل وتَعرُّف المجهُول وتحقُّق المعلوم ورفع المنكر وبثّ المعروف ، احترستْ منه العامّة والخاصّة واستشعرت الهيبةَ والتزمتْ بينها النّصفة وكُفيَتْ كثيراً من معاناتها ومراعاتها وإن كان للدَّولةِ راصدٌ للعزّةِ يئسُ من نفوذ الحيلةِ فيها . . . » ( المصدر نفسه 2 : 25 )
3 . ويلحّ التوحيدي على ضرورة استعانة الحاكم برجال يستشيرهم ويرجع إليهم في كليّات السّياسة لما للمشورة من منافع تعود على الخاصّ والعامّ . يقول مخاطباً ابن سعدان : « ولا تبخَل على نفسِك برأي غيرك وإن كان خاملًا في نفسك ، قليلًا في عينك ، فانّ الرأيَ كالدُّرّة التي ربّما وجدت في الطَّريق وفي المزبَلَة وقَلَّ من فَزِع إلى الله بالتوكّل عليه وإلى الصّديق بالإسعاد منه ، إلّا أراهُ الله النّجاح في مسألته والقضاءَ لحاجته . . . » ( المصدر نفسه 3 : 225 )
وللمشورة منافع اقتصادية تعود على بيت المال بالخير الكثير ويدعم التوحيدي رأيه هذا بقولٍ لعمر ابن عبد العزيز : « والله اني لأعوذ برأيه - يعني عبيد الله ابن عبد الله ابن عتبة بن مسعود « 1 » - ونصحه وهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف دنانير ، لأنّ في المحادثة تلقيحاً للعقول وترويحاً للقلوب وتسريحاً للهمّ وتنقيحاً للأدب . » ( المصدر نفسه 1 : 26 ) .
ويفضّل التّوحيدي أن يكون أهل المشورة من رجال العلم والأدب .
4 . والحاكم الصّالح هو من يقيم سياسته على العدل وقد سبق أن بينّا نقد التوحيدي للجور وطموحه إلى توفّر العدل السياسي .
إنّ جملة هذه المواقف تقوّى روح نظام الحكم وتشدّ أسسه السياسية والأخلاقية . وهي تبدو عموماً معارضة للواقع السياسي في القرن الرابع كما صوّره الامتاع والمؤانسة . فما مصادرها وأبعادها السياسية ؟
هامش
( 1 ) - هو أحد فقهاء السبعة كان اماماً عالماً وكان أعمي قال البخاري انه مات سنة 94 وهذا لايتّفق وخلافة عمرو بن عبد العزيز وقال ابن المديني سنة 99 وهذا متّفق مع هذه القصّة .