تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
من العصور خاصّة في العصور التي تعتريها الأزمات وتتوالى عليها النكبات كالعصر الذي كان يعيش فيه التوحيدي الذي كان يسوده الفساد السياسي . وقد تجاوزت مواقف أبي حيّان السّياسية نقدَ حديث العامّة أو التضجّر منه إلى إبراز رأيه في نظام الحكم وفي الأسس التي ينبغي أن يقام عليها . فأوّل أساس يجب أن يبنى عليه نظام الحكم هو التّلازم بين السياسة والشريعة ، يقول : « إلّا أنّ الناظر في أحوال النّاس ينبغي أن يكون قائماً بأحكام الشريعة حاملًا للصّغير والكبير على طرائقها المعروفة ، لأنّ الشَّريعةَ سياسةُ الله في الخلق والملك سياسةُ الناس للنّاس على أنّ الشَّريعةَ متى خَلتْ من السّياسة كانت ناقصةً والسِّياسة متى خَلتْ من الشريعة كانت ناقصةً . والملِك مبعوثٌ كما أنّ صاحبَ الدّين مبعوثٌ إلّا أنّ أحدَ البَعثَيْن أخفَى من الآخر والثاني أشهرُ من الأوّل . » ( المصدر نفسه 2 : 33 ) . فالدّين في رأيه ليس مجرّد شعائر تؤدّي بعيداً عن الحياة العامّة وإنما هو وجود فعلى يوميّ في حياة الناس ، لذا نرى المؤلّف يؤكّد أنّ وظيفة رجل السياسة هي تطبيق أحكام الشريعة . ثمّ يضيف إنّ عقيدة الدين الإسلامي على خلاف عقيدة المجوس فيقول : « تزعم أنّ الشريعةَ مُعرِّجَةٌ عن المُلك ، أي الذي يأتي بها ليس له أن يُعرِّجَ علي المُلك ، بل له أن يكِلَ المُلك إلى من يقوم به على أحكام الدِّين ولهذا قال ملكُنا الفاضل : الدّين والمُلك أخوان ، فالدّين أسٌّ والمُلك حارس ، فما لا أسَّ له فهو مهدومٌ وما لا حارِسَ له فهو ضائعٌ . » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) . فالتّوحيدي يرجع السبب الهامّ في فساد الأحوال بالبلاد ومنها الأحوال السياسية طبعاً - إلى ضعف الدّين وفتور تأثيره في الحياة اليومية للناس ، قائلّا : « وأصبح الدّينُ وقد أخلق لَبُوسُه وأوحش مأنوسه واقتُلِع مغروسُه وصار المنكر معروفاً والمعروف منكراً وعاد كلُّ شيء إلى
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 115 | مهدي عابدي