تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
نبيّه ( ص ) :
« ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر »
( آل عمران 3 : 159 ) والقيم الأخلاقية التي أكدّ التوحيدي على وجوب توفرّها في رجل السياسة من عفّة « 1 » وتواضع « 2 » قد ألحّ الإسلام على ضرورة التحلّي بها . إلى جانب هذه المصادر الإسلامية ، نجد أباحيّان يقتبس أيضاً نبذاتٍ من الفلاسفة اليونانيين يؤيّد بها أفكاره من ذلك إيراده لقولين لأفلاطون يتحدّث فيها عن صلاح الرؤساء : « موتُ الرؤساء أصلحُ من رئاسةِ السَّفلَة » ( المصدر نفسه 2 : 46 ) ويقول أيضاً : « لا يسوسُ النفوسَ الكثيرةَ على الحقِّ والواجبِ من لايُمكنُه أن يسوسَ نفسَه الواحدةِ » ( المصدر نفسه 2 : 47 ) . لكن هذه الأقوال تبقى ضئيلة في تفكير أبي حيّان السّياسي وهو ما يؤكّد أنّ مصادر هذا التفكير هي قبل كلّ شيء مصادر إسلامية أصيلة تراثية . هذا في خصوص مصادر التفكير السياسي عند التّوحيدي ، أمّا عن أبعاده فهي هامّة أيضاً . فمواقفه إزاء الواقع السائد آنذاك ، تعبّر أنّ طموحاته إلى قيم مفقودة كالعدل والمشورة وعفّة الحكّام وغيرها من الأمور الأخلاقية التي يجب تواجدها وتوفّرها فيهم . لذا فإننّا نعتبر أنّ هذه الآراء التي أبداها التوحيدي وطرحها على طاولة البحث السياسي تكوّن البديل السياسي للواقع السّائد في حينه وذلك ما يجعل المؤلّف متفاعلًا مع العصر وجدانياً وفكريّاً . لكنّ الملاحظ أنّ هذا التفكير لم يكن مسترسلًا في الكتاب وإنما جاء شذرات متشتّتة في كلّ الأجزاء وذلك راجع دون شكّ إلى تقييد حريّة المؤلّف ، فمن المعلوم أنّ مواضيع المسامرات ( في أربعين
هامش
( 1 ) - روى عن أَبِي جَعْفَرٍ ( ع ) قَالَ : « مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ عِفَّةِ بَطْنٍ وَفَرْج . » ( الكليني 79 : 2 ) وأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ( ع ) يَقُولُ : « أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْعَفَاف » ( نفس المصدر ) . روى عن أمير المؤمنين ( ع ) : « ثَلَاثٌ هُنَّ جِمَاعُ الدِّينِ الْعِفَّةُ وَالْوَرَعُ وَالْحَيَاء . » ( الآمدي 85 ) و « الْعِفَّةُ شِيمَةُ الْأَكْيَاس » ( نفس المصدر 256 ) و « عَلَى قَدْرِ الْعِفَّةِ تَكُونُ الْقَنَاعة » ( نفس المصدر 393 ) . ( 2 ) - روى عن أمير المؤمنين ( ع ) : « فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَمَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُع » ( الصدوق 570 ) ، وقال أبو عبد الله ( ع ) : « مَطِيَّةُ الْعَاقِلِ التَّوَاضُعُ » ( المجلسي 136 : 1 ) وعن الجعفر الصادق ( ع ) قال : « التّواضع أن ترضى من المجلس بدون شرفك ، وأن تسلّم على من لقيت ، وأن تترك المراء وإن كنت محقّاً ، ورأس الخير التّواضع . » ( الكليني 122 : 2 ، نزهة الناظر 108 ، أعلام الدين 303 ، المجلسي 123 : 75 . )