تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
ونقد أبو حيّان عزّالدولة لانصرافه عن تصّدي واجبات الحكم والتلهّي عنها باللملذّات ، فبيّن مخاطر هذا السلوك على مستقبل البلاد ( المصدر نفسه 3 : 154 ) ، كما بيّن سوء أخلاقه في استقبال رسل العامّة ليحثّوه على تدارك ما داهم البلاد من خطر الرّوم وعبث العيّارين يقول ساخراً منه : « وكان وافرَ الحظّ من سُوءِ الأدب ، قليلَ التَّحاشِي من أهْل الفضل والحكْمَة » ( المصدر نفسه ) والسّخرية في الجملة تهجّن أخلاق الوزير وتعبّر عن عدم ارتياح المؤلف لهذا السلوك . وإنّ ما يجعل الموقف من الوضع السياسي أكثر ايجابيةً وعمقاً أنّ المؤلّف تطرّق إلى تحليل أسباب عدّة حوادث حدثت وبيّن نتائجها مفصحاً عبر ذلك عن نظرته السياسية . فعند الحديث عن الانقسام السياسي الّذي عرفته البلاد خلال هجوم الرّوم على الثغور بيّن أنّ نتيجة هذا هي « السّقوط الحضاري » ( المصدر نفسه 3 : 150 ) والتّوحيدي يظهر هنا محلّلا سياسياً قد عرف من دراسة التاريخ أسباب سقوط الدول ، فجاء حديثه عامّاً كأنه قاعدة حضارية تتجاوز الحدث الآني في البلاد . يقول متحدثاً عن نتائج انقسام الناس : « وبمثل هذا فُتحت البلاد ومُلكت الحُصون وأزيلت النّعمُ وأُريقت الدِّماء وتكت المحارمُ وأبيدت الأمم . » ( المصدر نفسه 3 : 152 ) . فموقفه إذن واضح من الانقسام السياسي ، إذ أبرز هول نتائجه العسكرية والاقتصادية والبشرية والأخلاقية والحضارية وهذا يعبّر عن طموحه أن يرى المجتمع متّحداً سياسياً متضامناً إجتماعياً في دفع الأعداء حتى يحافظ على حضارته ومقوّماتها العسكرية والاقتصادية والأخلاقية . بيّن التوحيدي أيضاً أسباب تجبّر الحكّام وتسلّطهم وفسادهم سياسياً عند تحليل أسباب طغيان الصّاحب ابن عبّاد . فأرجع ذلك إلى سببين رئيسيين : 1 ) عدم توفّر حاشية جريئة وشجاعة تبيّن له أخطاءه ولا تنافقه تقرّباً اليه . 2 ) الثّقة التامّة فيه والتّعويل المطلق عليه في مباشرة شؤون البلاد « من قِبل المَلِك الذي استَوْزَرَه ، فَخَلا له الجوُّ حتى طَغَى . » ( المصدر نفسه 1 : 141 ) . هذان السببان هما بمثابة القاعدة العامّة التي تسبب فساد رجال السياسة رغم أنّهما جاءا في سياق تحليل أسباب طغيان الصّاحب خاصّة ، فتجاوز التحليل هنا مرّة أخرى الواقع الراهن في ذلك