إنّ المؤلّف يردّد هذه العيوب كأنّه يلتذّ تشفّياً بالرّجل الذي أساء اليه أشدّ الإساءة وقدوجد أنّ الجور هو أبرز نقيصة يؤاخذه عليها وفي ذلك دليل على مدى استنكاره لهذه العيوب .
وقبل هذه العبارة بصفحاتٍ يدلّل على هذا النقد اللّاذع بقوله :
« إني رجلٌ مظلوم من جَهتِهِ وعاتبٌ عليه في معامَلتي ، وشديدُ الغيظ لحرماني وإن وصفتُه أربيتُ « 1 » منتصفاً وانتصفت منه مُسرفاً ، فلو كنتُ معتدلَ الحال بين الرّضا والغضب أو عارياً منهما جملةً ، كان الوصفُ أصدقَ والصدقُ به أخلَق ، على أني عملتُ رسالةً في أخلاقه وأخلاق ابن العميد أودعتُها نَفَسي الغَزير ولفْظي الطّويل والقصير وهي في المسودّة ولا جسارة لي على تحريرها . . . » ( المصدر نفسه 1 : 53 - 54 )
وقد كان التوحيدي كثيراً ما يجد الفرصة سانحة لنقد الجور عندما يطلب منه الوزير ابن سعدان أن يسرد على مسامعه بعض الحكم والمواعظ ، فهو يلقي في الليلة التاسعة عشرة عدّة جمل متباعدة تدعم هذا الرأي منها قوله : « مَن طالَ عدوانُه زال سُلطانُه » و « ظلمُ العُمّال مِن ظلمة الأعمال » ( المصدر نفسه 2 : 61 - 62 ) و « اللهمّ إنّي أعُوذُ بك من سلطانٍ جائرٍ ونديم فاجرٍ وصديقٍ غادرٍ وغريمٍ ماكر وقريبٍ مناكر « 2 » وشريكٍ خائن وحليفٍ مائن وولدٍ جافٍ وخادمٍ هافٍ » ( المصدر نفسه 2 : 67 ) .
هذا النقد اللّاذع بوجهيْه المباشر وغير المباشر ، يدلّ على عدم ارتياح المؤلّف لهذه الظاهرة الغالبة على حكّام العصر ، كما يدلّ على عدم اهتمام هؤلاء الحكّام بالقيم السياسية التي يتمنّى المؤلف أن تسود العصر من مثل العدل والإنصاف ، فهو يتّخذ النّقد هنا وسيلة من وسائل الإصلاح وطريقاً اليه .
هامش
( 1 ) - أربَيتُ : زدتُ .
( 2 ) - مناكر ، أي محارب .