تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
إنّ المؤلّف يردّد هذه العيوب كأنّه يلتذّ تشفّياً بالرّجل الذي أساء اليه أشدّ الإساءة وقدوجد أنّ الجور هو أبرز نقيصة يؤاخذه عليها وفي ذلك دليل على مدى استنكاره لهذه العيوب . وقبل هذه العبارة بصفحاتٍ يدلّل على هذا النقد اللّاذع بقوله : « إني رجلٌ مظلوم من جَهتِهِ وعاتبٌ عليه في معامَلتي ، وشديدُ الغيظ لحرماني وإن وصفتُه أربيتُ « 1 » منتصفاً وانتصفت منه مُسرفاً ، فلو كنتُ معتدلَ الحال بين الرّضا والغضب أو عارياً منهما جملةً ، كان الوصفُ أصدقَ والصدقُ به أخلَق ، على أني عملتُ رسالةً في أخلاقه وأخلاق ابن العميد أودعتُها نَفَسي الغَزير ولفْظي الطّويل والقصير وهي في المسودّة ولا جسارة لي على تحريرها . . . » ( المصدر نفسه 1 : 53 - 54 ) وقد كان التوحيدي كثيراً ما يجد الفرصة سانحة لنقد الجور عندما يطلب منه الوزير ابن سعدان أن يسرد على مسامعه بعض الحكم والمواعظ ، فهو يلقي في الليلة التاسعة عشرة عدّة جمل متباعدة تدعم هذا الرأي منها قوله : « مَن طالَ عدوانُه زال سُلطانُه » و « ظلمُ العُمّال مِن ظلمة الأعمال » ( المصدر نفسه 2 : 61 - 62 ) و « اللهمّ إنّي أعُوذُ بك من سلطانٍ جائرٍ ونديم فاجرٍ وصديقٍ غادرٍ وغريمٍ ماكر وقريبٍ مناكر « 2 » وشريكٍ خائن وحليفٍ مائن وولدٍ جافٍ وخادمٍ هافٍ » ( المصدر نفسه 2 : 67 ) . هذا النقد اللّاذع بوجهيْه المباشر وغير المباشر ، يدلّ على عدم ارتياح المؤلّف لهذه الظاهرة الغالبة على حكّام العصر ، كما يدلّ على عدم اهتمام هؤلاء الحكّام بالقيم السياسية التي يتمنّى المؤلف أن تسود العصر من مثل العدل والإنصاف ، فهو يتّخذ النّقد هنا وسيلة من وسائل الإصلاح وطريقاً اليه .
هامش
( 1 ) - أربَيتُ : زدتُ . ( 2 ) - مناكر ، أي محارب .