تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
الوقت ليفصح عن رأي المؤلّف في أسباب الفساد الناشئ عن فساد الحاشية والثّقة التامّة من قِبَل الملك بالوزير وعدم محاسبته ومراقبته في أعماله في تسيير شؤون البلاد والدولة وهو بذلك يقدّم بديلًا لذلك ، بديلًا يؤدّي إلى صلاح الحكّام وصلاح البلاد والدّولة وهذا البديل هو توفّر حاشية صالحة أمينة ناصحة صريحة قادرة على مواجهة الحكّام في أخطائهم والتّوحيدي يفضّل أن تتكوّن هذه الحاشية من رجال ثقات يفزع إليهم بالمشورة ، يقول ناصحاً الوزير ابن سعدان : « وافْرغ إلى الله في الإستِخَارة وإلى الثِّقات بالإسْتِشارة ولا تبخَلْ على نفسك بِرأيِ غيرك وإن كان خَاملًا في نفسِكَ . » ( المصدر نفسه 3 : 216 ) . أما السّبب الثاني لصلاح الحكّام فهو ضرورة مباشرتهم وتصدّيهم لمسؤولياتهم . وفي موضع آخر من الكتاب نجد التّوحيدي يطيل في تفسير لهج العامّة بالسياسة وتتبّعها لسيرة الحكّام ، لأنّ مصالحها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية كلّها متعلّقة بسيرة الحاكم و « هي تتّبعُ سيرةَ الكبراءِ لما تَرجُوه من الخيرِ إذا صلُحتْ أمورُهم وما ترهَبه من الشّرِّ إذا فَسَدتْ سياستُهُم . » ( المصدر نفسه 3 : 126 ) والتّوحيدي في هذا التحليل يناصر العامّة في حرصها على معرفة دقائق السياسة وهو موقف هامّ يدلّ على وعي أبي حيّان وإدراكه ضرورة مراقبة الرّعية لسياسة الحكّام الظاهرة والباطنة يحملها مسؤولية المشاركة في الحياة السياسية بالبلاد لهذا السّبب نراه ينصح الوزير ابن سعدان بأن لايضجر من اهتمام العامّة بسيرته وأموره فيورد قولًا لأبي سليمان السجستاني يدعم هذا المعنى فيقول : « ليس ينبغي لمن كان اللهُ عزّوجلَّ جعله سائسَ النّاس عامّتِهم وخاصّتِهم وعالمِهم وجاهلِهم وضعيفِهم وقويّهم وراجِحهم وشائلِهم ، أن يضجرَ ممّا يبلُغُه عنهم أو عن واحد منهم لأسبابٍ كثيرةٍ ، منها : أنّ عقلَه فوق عقولهم ، وحلمَه أفضل من حُلومهم وصبرَه أتمّ من صبرهم . . . » ( المصدر نفسه 3 : 86 ) . إنّ قول التوحيدي بضرورة هذا التلازم ليس أمراً جدي ، فهولم يتعدّ التعبير عن موقف الدّين الإسلامي من هذه القضية الجوهرية ، قضية فلسفة الحكم الإسلامي ، إنّه موقف هامّ في كلّ عصر