ومواقف أبي حيّان السياسية لم تقتصر على إظهار الضّيق ، بل تعدّتها إلى النقد والاستنكار ونقده يتّسم بجرأة كبيرة وصراحة فائقة أحياناً ، رغم أنّ مسامره كان من رجال السياسة ( ابن سعدان ) فهو لم يتردّد في نقد مظاهر الفساد التي أتيح له الحديث فيها . وأوّل مظاهر الفساد السياسي في عصره ، هو الظلم الذي بيّن عواقبه الكبيرة فقد تحدّث عن الوزير محمد بن بقيّة ( ت عام 369 : ه ) الذي طغى وبغى ( المصدر نفسه 3 : 216 ) . ثمّ قُتل لذنوبه ونكّل به عضدالدّولة ثمّ تساءل : « أم كيف كان ينجُو وقد قَتَل ابن السَّرّاج بلا ذنب والجرجرائي بلا حجّة وضرَبَ ابن معروف بالسّياط وأبالقاسم أخاً لأبي محمّد القاضي وشهَّرَه على جمل في الجانب الشرقيّ » ( المصدر نفسه 3 : 216 - 217 ) .
وهنا يخطر بالبال هذا السؤال ، وهو ما موقف المؤلّف من الجور والحيف ؟ وفي الكتاب نرى أنّه لم يكن يتّخذ موقفاً سلبياً من هذا الجور والحيف ، بل كان يقبحهما ويقبّح ما ينتج عنهما من سوء العاقبة يقول : « والتّشفّي حلوُ العلانية ولكنّه مُرّ العاقبة وكأنّ الحفيظةَ إنّما خُلقت لتُعتَقَد والحقدُ انّما وُجِد ليبلغ به ما يَسرُّ الشَّيطان كأنّ العفوَ حرامٌ والكظمَ محظورٌ والمكافأة مأمورٌ بها . » ( المصدر نفسه 3 : 217 ) .
ونقد التوحيدي ظلم الصّاحب ابن عبّاد عبر هجائه الطّويل له في الليلة الرّابعة ، فتحامل عليه أشدّ التّحامل ولعلّ أعنف جملة هي التي عرّض بواسطتها بالجور فهو عنده :
« لا يرجع إلى الرّأفة والرّحمة والنّاس كلّهُم محجومُون عنه لجرأته وسَلاطته واقتداره وبَسطته ، شديدُ العقابِ طفيفُ الثّواب ، طويلُ العتاب ، بذئُ اللسان . . . سريعُ الغضب ، بعيدُ الفَيئة « 1 » ، قريبُ الطَّيرة ، حسودٌ حقودٌ . . . وقد قَتَل خَلقاً وأهلك أناساً ونَفَى أمّة ، نخوةً وتعنّتاً وتجبّراً وزَهْواً وهو مع هذا يخدَعُهُ الصّبيُّ ويخلُبه الغبيُّ . . . » ( المصدر نفسه 1 : 55 ) .
هامش
( 1 ) - الفيئة : الرّجعة .