تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
ومن مظاهر عدم اطمئنان العامّة نتيجة الفساد السياسي الذي غلب على البلاد ما اعترى الناس من خوف ورعب إثر مهاجمة الرّوم لمدينتي الموصل وبغداد سنة 362 : ه : « فخاف النّاسُ بالموصِل وما حولها وأخَذُوا في الإنحدار على رُعبٍ قُذفَ في قُلُوبهم ، ليكون سبَباً لما صارَ اليه الأمرُ وماجَ الناسُ بمدينة السّلامِ واضطرَبُوا وتقسّم هذا المَوجُ والاضطرابُ بين الخاصّة والعامّة . . . » ( المصدر نفسه 151 : 3 ) . ويبدو أنّ دوافع خوف العامّة أعمق من خوف رجال الحكم . فهؤلاء يخافون على مراتبهم ومناصبهم بينما النّاس يخافون على مستقبل الخلافة الإسلامية يقولون محللّين لمخاطر تخلّي السلطان عن مباشرة مهامّه : « والتدارُكُ واجبٌ وهو الاسلام إن لم نَذُبَّ عنه غلَبَ الكفرُ ، وهو الأمنُ والسُّكون ، إن لم يُحْفَظا فهو الخوفُ والبَلاءُ وذَهابُ الحَرث والنَّسل وفضيحةُ الولد والأهْل . . . » ( المصدر نفسه 3 : 152 - 153 ) . هذه إذن خلاصة خصائص الحياة السياسية في القرن الرابع للهجرة كما يصوّرها كتاب الإمتاع والمؤانسة ، فهي متوتّرة وفاسدة وهذا الوجه كافٍ ليعطي لهذا لأثر قيمة حضارية هامّة ، لكنّ أباحيّان التّوحيدي لم يقف عند حدّ وصف الواقع السياسي بمختلف مظاهره بل تعّداه إلى إبداء موقفه منه فزادت بذلك أهمّية الحديث عن الحياة السياسية إذ إبداء وجهة نظر المؤلّف تؤكّد وعيه بمختلف المظاهر التي وصفها خاصّة إذا كانت تلك النظرة مدعومة بالنّقد والتحليل والآراء الإصلاحية .

2 - 3 - النقد السياسي للمجتمع العباسي :

نشير أولًا إلى أنّ آراء المؤلّف ومواقفه المختلفة بالنسبة إلى خصائص الحياة السياسية في عصره لم يخصّص لها قسماً من الكتاب ، فقد جاءت متفرّقة مشتّتة بين مختلف أجزاء الأثر . وقد حاولنا جمعها وتبويبها لنبيّن مختلف الطّرق في الإفصاح عنها ، ثمّ استخلصنا منها وجهة نظر المؤلّف في طبيعة نظام الحكم وفي طريقة إصلاح الوضع الفاسد بالبلاد . إنّ مواقف أبي حيّان التوحيدي من خصائص الحياة السياسية في عصره تبرز واضحة على ثلاثة مستويات :
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 109 | مهدي عابدي