هذه الأمثلة تؤكّد بوضوح فساد الحاشية أخلاقياً وسياسياً وإذا علمنا مدى تأثير الحاشية في مجري السياسة نستطيع أن نتصوّر نتائج تأثير أولئك الّذين يتهاونون بالقيم الأخلاقية ويستغلّون مراتبهم للإثراء واستلاب المال . وذلك هو عين الفساد .
لكنّ التلازم بين فساد الحكّام وفساد الحاشية يبدو أمراً طبيعياً . فهل يمكن لرجل خلع عن نفسه أمانة السّياسة وبهاء الأخلاق أن يتّخذ حاشية من الرّجال الصالحين الجواب عن هذا السؤال لا يحتاج إلى بيان فهو واضح بالبداهة .
ولهذا التلازم نتائج واضحة أبان عنها الكِتاب أبرزها الجور وهو أظهر المفاسد وأعمقها أثراً في حياة الناس وقد أقرّ أبو حيّان في مقدّمة الكتاب بخُلوّ العصر من الحكّام العادلين كالّذين إزدان بهم العصر الإسلامي الأول و « الّذين كانوا إذا وَلّوا عَدَلوا وإذا مَلكُوا أفضَلوا « 1 » وإذا أعطَوْا أجْزَلوا وإذا سُئلوا أجَابوا وإذا جادوا أطابُوا وإذا عَالوا « 2 » صبروا وإذا نالُوا شَكَروا . . . » ( المصدر نفسه 1 : 17 ) .
إنّ في هذا الإقرار اعترافاً ضمنيّاً بغلبة الجور على الحكّام في سياستهم للناس . إلّا أنّ الأمثلة على ظلم الحكّام تبدو أوضح داخل الكتاب .
فالصّاحب ابن عبّاد « لايرجعُ إلى الرّقَّة والرَّأفة والرَّحمة ( وهي شروطُ الحكم والعَدل في رجلِ السياسة ) والنّاسُ كلُّهُم مَحجُومونَ عنه لجرأتِهِ وسَلاطَتِهِ واقتداره وبَسْطَتِه ، شديدُ العقاب ، طفيفُ الثَّواب ، طويلُ العِتاب . . . مغلوبٌ بحرارة الرَّأس ، سريعُ الغَضَب . . . وقد قَتلَ خَلقاً وأهلك ناساً ونَفَي أمّةً ، نخوةً وتعنُّتاً وتجبُّراً وزَهْواً وهو مَع هذا يَخدَعُهُ الصّبيُّ ويَخلُبه الغبيُّ . . . » ( المصدر نفسه 1 : 55 ) .
هامش
( 1 ) - أفضلوا : أنعموا .
( 2 ) - عالوا : افتقروا ، من العيلة بفتح أوّله .