تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
« ومنابعُ الفساد ومنابتُ التخليط كلّها من الحاشية التي لاتعرفُ نظامَ الدولة ولا استقامةَ المملكة وإنّما سؤلهُا تعجيلُ حظٍّ وإن كان نزراً واستلابُ دِرهمٍ وإن كان زيفاً ولَعَمري ليس يكون الكدرُ إلّا بعد الصَّفو كما لا يكون الصفوُ إلّا بعد الكَدَر ، هكذا اللّيلُ والنَّهارُ والنّورُ والظلمُ ، هذا يخلفُ هذا وهذا يتلُو هذا . » ( المصدر نفسه 2 : 116 ) . وتحدّث التوحيدي عن حاشية الصّاحب ابن عبّاد مشيراً إلى مفاسدها السياسية والأخلاقية . فأفرادها في نظره ينافقون الصّاحب ويمارونه ويغالون في مدحه وثنائه وهم لم يعارضوه يوماً في رأي أو فعل ففسدت سياسته وطغى وتجبّر ومن أفراد هذه الحاشية يتحدّث المؤلّف عن رجل اسمه الدّاركي « 1 » « فقد اتّخذ الشَّهادةَ مَكسبةً وهو يأكُلُ الدنيا بالدّين ويَغْلب عليه اللّواطُ ولا يرجع إلى ثقةٍ وأمانةٍ ولقد تهتّكَ بنَيْسابورَ قديماً وببغدادَ حديثاً » ( المصدر نفسه 1 : 141 ) . ورغم هذه المفاسد الأخلاقية التي كان يرتكبها فانّ الصاحب ابن عبّاد قربّه وجعله قاضياً بالرّي ليكون راعية له ونائباً عنه ، فاستغلّ منصبه ذلك للنّهب حتى صار قارون ثراء ورتبة ( المصدر نفسه ) . وكثيراً ما كان لأفراد الحاشية تأثير واضح في الحياة السياسية لاتّصالهم بحكّام عزفوا عن ممارسة واجباتهم وتلهّوا عنها بالمجون والخلاعة والهزل ، فهذا أبو إسحاق النصيبي من حاشية كاتب فخرالدولة بهمذان حمل صاحبه على ظلم الرّعية وغبنها : « ولقد أضلّ بهمذانَ كاتبُ فخرِالدولة ابن المرزبان وحمله على قلّة الإكتراثِ بظلم الرّعية وأراه أنّه لاحَرجَ عليه في غَبنهم لأنهم بهائمُ ، وما خرج من الجبلِ حتى افتضح . » ( المصدر نفسه ) .
هامش
( 1 ) - هو أبو القاسم الداركي ، نسبة إلى دارك ، قرية في أصفهان ، أحد فقهاء الشافعية وهو بغدادي ، أقام بنيسابور مدةً ثمّ انتهى اليه التدريس ببغداد وأخذ عنه عامة شيوخها توفي عام 375 : ه ( أنظر : ابن خلكان 2 : 261 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 104 | مهدي عابدي