وأمّا تهجّده وعبادته ؛ فلم يفتر آناً من الذكر ، ما لم يكن مشغولًا بدرس أو أكل أو ملاقاة الزائرين أو للقضاء بين المتخاصمين .
وكان يقوم في الثلث الأخير من الليل لأداء النوافل ، ويقرأ دعاء أبي حمزة الثمالي المعروف في قنوت الوتر ، مضافاً إلي موظّفاته من الأوراد والأدعية .
وكان يقعد بعد صلاة الصبح مقدار ساعة وأزيد ، يقرأ القرآن ويعقّب .
وكانت أوقاته مرتّبة علي الطاعات والعبادات وقضاء حوائج الناس .
إلي غير ذلك من مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات التي تركت ذكرها خوفاً من الإطالة والملالة وظنّ المبالغة ، وإلا ما تركت ذكره أكثر ممّا ذكرت .
وأمّا تقواه ؛ فقد سمعت بأذني من لسان سيدنا وأستادنا حجة الإسلام خالي السيد إسماعيل الصدر في إحدي ليالي القدر من شهررمضان في النجف الأشرف وجري ذكر الشيخ ؛ فقال : والله لو كانت الدنيا تملأ ذهباً له ويتوقّف علي أن يفعل مكروهاً لَما يفعل .
فانظر إلي هذه الشهادة من هذا السيد الجليل بطريق الجزم في تلك الليلة الشريفة ! « 1 »
وأمّا علمه ؛ فقد كان أكثر مَن حضر عليه من العلماء والأفاضل اللذين هم في هذا العصر من أعلم العلماء لا يشكون في ترجيحه علي جميع علماء عصره ، علي ما كان في ذلك العصر من العلماء الأكابر .
وسمعت أحدهم ، وهو عندي من أعلمهم وأتقاهم : إنّي لمّا كنت في أصفهان كنت أظنّ أنّه أعلم عصره ، ولكن كان يشوبني الشك ؛ لعدم لقائي علماء العراق ، فلما رأيتهم وسبرتهم علمت بأنّ الحق ما كنت . . عليه ولم أجد أحداً منهم في مرتبته . « 2 »
هامش
( 1 ) . قال الشيخ علي كاشف الغطاء : « وكان رقيق الدمعة ، كثير البكاء من خشية الله ، وكنت أحضر عنده أغلب الليالي مع أولاده ، فيقرأ له العلامة الشيخ محمّد حسين أو الحقير مواعظ وخطب نهج البلاغة وهو يبكي بكاء الثكلي من استماعها ، ويستحقر جميع أعماله وطاعاته في جنب ذلك » .
( 2 ) . قال الشيخ علي كاشف الغطاء : « هذه مبالغة من هذا الرجل ، ودعاه لذلك حبّ الأستاذ وأداء حق الأستاذية ، فقد كان في عصره كأستاذه المرحوم شيخنا الأنصاري الغني عن البيان ، ومن أكثر منه تفريعاً . . . كابن خالته المرحوم الشيخ راضي ، حتى قيل : إنه حضر عليه لمّا كان في النجف مشغولًا في التحصيل . ومَن أحسن منه تقريراً وأوسع لتطبيق الفروع علي الأصول كابن خاله المرحوم الشيخ مهدي بن المرحوم الشيخ علي ، وكالمرحوم الميرزا محمّد حسن الشيرازي . نعم كان حسن السليقة ، سريع الفهم ، كثير الحافظة . هذا الذي شاهدتُه أيام حضوري عليه في أصفهان ، ولعلّ ما شاهدتُه منه في آخر عمره مع ضعف بصره وابتلائه بحوائج الناس ؛ لأنّه كان مرجعاً لأغلب بلاد إيران ، واشتغاله بالاستفتائات والمرافعات ، وبالطبيعة تنحطّ المراتب العلمية كما نشاهدها في عصرنا من علمائنا بأقلّ من ذلك ، بل بمجرّد الطعن في السنّ . والرجل الذي جزم بتفوّقه علي علماء عصره حضر عليه واستفاد منه أوّل رجوعه من النجف ، والحواس مجتمعة والاشغال غير متراكمة ؛ فهو معذور مصدّق بما رآه أولًا » .