تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
كانوا في أعلي مراتب الفهم والحفظ ، أوّلهم صاحب الترجمة . وأمّا حلمه وصبره ؛ فقد كان حليماً صبوراً ، كثيراً ما كان ترد عليه السانحات من الأقارب والأجانب ، ويؤذوه بالأقوال والأفعال ، وهو يتحلمهم ويرضيهم ويتحمّل منهم . وقد شاهد جامع الأحرف منه ذلك مراراً ، فلم يزد علي التأوّه وقول « لا حول ولا قوّة إلا بالله » وتارة يغضب لله وتحمرّ وجهه ويتكلّم بشدّة وحدّة ، رافعاً صوته بالتوبيخ والتقريع بالكلام إلي مَن يشاهد منه خلاف الشرع أو يكلّفه ما لا يطاق بشيء يضرّ باعتبار أهل العلم قاطبة . وأمّا ورعه وتقواه ؛ فقد كان تاركاً لشهوات نفسه ، زاهداً قنوعاً ، وكثيراً ما كان يصنع له ماء اللحم وكان يقتصر علي ذلك ويترك اللحم ؛ لعدم مساعدة أسنانه ، مع أنّ جماعة يزيدون علي مائة نفس متنعمّون من ماله وسببه بأحسن المأكولات . « 1 »
هامش
( 1 ) . قال الشيخ كاشف الغطاء : « كان إذا دعي إلي وليمة يجيب أحياناً وأنا بخدمته ، فيأكل جيداً بالشيء الذي يمكن ازدراده بلا معالجة الأسنان ؛ لسقوط أسنانه ، وكلما أصروا عليه أن يجعل الأسنان المستحدثة أبي وامتنع ، مجيباً أنه قد انقضي عمري ؛ فلا يسع العمر باستعمال الآلات المخترعة من الإفرنج ، وأختار ما اختاره الله لي فقط . وقع الماء في عينيه واحدة بعد أخري ، وباصرار الناس من شريف ورفيع ووضيع أتوا إليه بالميرزا يوسف الشيرازي الكحّال ، فرفع الماء عنها ، ومن لطف الله سبحانه صادف الصحة في عمله ، وجعل يقرأ ويكتب ، وكان قبل ذلك لم يقدر علي القراءة والكتابة . وصادفت أيام إقامتي في أصفهان ضرب الميل للاخري ، فحسن وصحّ بصره الشريف ، وأكرم حضرة الشاهزاده ظلّ السلطان الميرزا يوسف إكراماً كلياً ، وأنعم عليه بخلع جزيلة ، وعين له في كلّ سنة خمسين توماناً تدفع جزاء عمله الموفّق . ولم يذكر المترجم [ الشيخ محمّد رضا ] صلته لأرحامه ؛ فلعمري قد كان وصولًا لأرحامه ، يصلهم بماله ، ويتفقّدهم ببدنه علي جلاله ، ويبذل لهم الجاه والاعتبار في حوائجهم ومطالبهم الدنيوية ، ويجيبهم إذا دعوه والمكان البعيد منهم . . ويقوم آخر الليل علي جاري عادته للعبادة . وكان رحمه الله تعالى يركب إلي أقصي محلة في أصفهان وأنا بخدمته ، فيدخل داراً محقرة ، فيجلس علي الأرض أو الحصير ويسأل أحوال امرأة كبيرة السنّ ، ويلاطفها ويعطيها من المال ما كان معه ، فاسأل عنها ، فيقول لي : هذه أختي من الرضاعة . وكثيراً ما شاهدت بعض أرحامه وكان الفقير منهم موظّف عنده يعطيه ما يكفيه شهر . . . إذا تأخرت مدة قليلة صلته عنه لموانع هناك يأتي إليه فيطالبه أشدّ المطالبة ، وأحيانا يسبّه ؛ وهو لا يكترث ولا يغضب ، ويعتذر منه ويعطيه النصف من نفسه ، ويعجل له صلته » .