علمائها كالشيخين الفقيهين المتقدّمين ، وكحجتي الإسلام : الشيرازي والرشتي ، إلي أن أخذ من العلم والتقي أوفر نصيب ، وحاز من الفضل والكمال كلّ بعيد وقريب .
فارتحل إلي أصفهان ، واستكمل الحضور علي والده ، واقتدي بجملة فضائل أبيه ومحامده . ثمّ رجع إلي الحج سنة 1301 ووافق في النجف وفاة والده .
فحجّ ورجع بالعيال والأهل إلي محله ، وظهر بعد أيسر زمان لجميع الناس تمام كماله وكمال فضله ؛ فعكفت قلوب الخواص والعوام عليه ، وألقي قلم الحكم والقضاء إلي أخيه حجة الإسلام ثمّ إليه . فشمّر عن ساعده في ترويج الدين الحنيف ، وبذل تمام جهده في خدمة الشرع الشريف ، وجعل يقيم الجماعة في مسجد مختصّ به ؛ فيكثر هنالك الازدحام ، ويطول الطواف من الخواص والأشراف حول كعبة فضله وتقبيل أنامله التي هي ركن الجود والمقام . ثمّ يرقي في سائر الأيام منبر التدريس ؛ فتزدحم أفاضل الطلاب لالتقاط ذلك الجوهر النفيس ، ويجتمع السواد الأعظم لاستماع وعظه ، وكان لا يترك الموعظة يوم الخميس .
وبالجملة ، لم يكن نظير لهذا المولي جلالةً وشرفاً وفضلًا وشهامة ونبلًا ، وجامعيةً للعلوم عقلًا ونقلًا ، ودواماً علي الذكر نهاراً ، ومواظبةً علي التهجُد ليلًا .
وكان هو المتصدّي لقضاء حوائج الفقراء ، والانتصار للمظلومين والضعفاء ، وهو الملجأ والمأوي للغرباء ، من المتردّدين إلي تلك النواحي ؛ لاشتغال أخيه الأكبر المتقدم أدام الله وجوده بمهمّات الشريعة ومعضلات الدين والوقائع التي لا يمكن النهوض بها إلا رئيس الإسلام والمسلمين .
ولم يزل أخوه هذا [ أي الشيخ محمّد علي ] ساعداً له وعضداً وعيناً للشريعة ، ويداً سالكاً بين الناس بأحسن ما يكون من حسن الأخلاق وجميل المعاشرة ، متواضعاً لأهل العلم والفقراء ، معيناً لهم بالعطايا الوافرة والهدايا المتواترة .
ولم يزل علي ذلك من حسن السيرة وصفاء السريرة ؛ إلي أن تملّك وتمكن حبّه من القلوب ، واشتهر صيته في الآفاق ، وصار لكلّ أحد حتى البعيد محبوب ، وأخلصَت له
درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف — صفحة 182
مساهمون: الشيخ رحيم القاسمي
ص١٨٢