تحصيل الرئاسة ، واجتماع الأسباب الموجبة لذلك ، من الحسب والنسب والشرف والأقارب وغير ذلك ؛ فلم أزل أطوي الفيافي والقفار ، لا أفتر عن ذلك بالليل والنهار ، حتى بلغت أصفهان ومضت علي مدة ، ولم تقبل الأمور علي كما كنت أبتغي ، بل كنت أري آثار الانحطاط عن مرتبتي قبل السفر إلي العراق والأخذ من علمائها وتصديقهم بعلوّ مرتبتي في الفضل والاجتهاد ؛ بل لم يكن حبّ والدي لي وإقباله علي مثل ما كان قبل ذلك . قال : فبقيتُ علي ذلك مدة من الزمان ، وكلّما ازددتُ الجهد في تحصيل أسباب ذلك ازداد الأمر عني إدباراً ، إلي أن تفكرتُ يوماً وقلتُ في نفسي : إنه قد ظهر لي من التجارب في هذه المدة أنّ الدنيا لا تريدني ؛ فإنه قد اجتمع لي من أسبابها ما لم يجتمع لأحد من أقراني وأخداني ، ومع ذلك كلّه أراها معرضةً عنّي ومقبلةً علي سواي ، ومِن الحزم والعقل أن لا يريد الإنسان مَن لا يريده ، ويترك مَن هو تاركه .
فعزمتُ تلك الساعة علي الإعراض عن الدنيا بالمرّة ، والإقبال علي الآخرة ، وقمتُ من مجلس عازماً ذلك . فلم تمض ثلاثة أيام - بل أظن أنه رحمه الله قال : تلك الليلة - أتاني والدي العلامة وقال : إني قد عزمتُ علي أن افوّض عليك جميع ما لي من أمور الدنيا ، فتصلّي عوضاً عنّي في المسجد الجامع في الأوقات الثلاثة ، وأترك لك الدرس وآمر الطلبة جميعاً بالحضور عليك ، وأهب لك جميع أموالي ، وتقوم بنفقة أولادي كما كنتُ أقوم بها ، وتحسبهم كأنهم أولادك ، وأخلو بنفسي وإصلاح أمور آخرتي . قال والدي : فضحكت عجباً وقلت : هلا كان بعض ذلك قبل هذا الوقت بساعات معدودة ! وأما الآن فلست براجعٍ عمّا عزمتُ عليه ؛ فاعتذرت إليه من ذلك ، وهو مصرّ علي كلامه ، فبالغت في الإنكار . ثمّ اخترتُ العزلة ، وسكنت في دار فارغة لا يدخل علي أحد ، ولا أخرج منها ؛ إلي أن تحدّث الناس بذلك ، وتحيروا في أمري ، واخترعوا لذلك أسباباً كثيرة ، حتى كثر منهم القول ، وبلغ والدي ذلك ؛ فتفأل بالقرآن الشريف علي أن يمنعني من ذلك ، ويأمرني بما كلّفني به قبل ذلك ، فكانت أول آية وقع بصره عليها قوله تعالي : « ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه » . فأتاني نصف الليل وأنا عازم علي النوم ، فقال لي : لا أنهاك عمّا أنت
درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف — صفحة 159
مساهمون: الشيخ رحيم القاسمي
ص١٥٩