كلام الشيخ الأكبر . وانقضت أيام والنزاع قائم بين العلامة المذكور وبينهما ، وفي كلّ يوم يصدّق بقولهما جمع كثير من الفضلاء الحاضرين ، إلي أن صعد المنبر يوماً ، فقال له أحد الحاضرين : إنّ الصلاح أن تترك هذه المسألة ؛ فإنه لم يبق لك موافق فيها . فعمل بقوله وشرع في مسألة أخري .
وبالجملة ، بقي في العراق مدة كثيرة ، مواظباً علي تحصيل العلوم ، مجدّاً فيه ، لم يفتر عنه ساعة . ومعه في الدار أفضل تلامذة والده العلامة جناب السيد محمّد كاظم اليزدي ، والعالم الفاضل الآميرزا أبو القاسم البروجردي رحمه الله تعالى ، وكان أيضا من تلامذة والده . وقرأ علي الحكيم الفيلسوف الماهر الشيخ محمّد علي ، وكان من أفاضل الترك ، في العلوم العقلية كتاب الأسفار وغيره . وأتقن بقية العلوم الظاهرية ، حتى صار واحد العلم الذي لا يشار بالبنان إلا إليه ، ولا يسلم بالتقدّم إلا عليه .
ومضي إلي أصفهان ، وبعد ما ورد تلك البلدة بقليل عكفت عليه الألطاف الربانية ، وجذبته الجواذب الروحانية ؛ فاشتغل بالطاعات والعبادات ، وتصفية مرآة القلب بالمجاهدات ، ولفظ الدنيا لفظ النواة ، ورماها رمي الحجيج الحصاة ، وعلم أنّ الإعراض عنها أولي ، والآخرة خير له من الأولي ، وسخت نفسه الكريم [ عن ] تلك العروس ، وهي التي تتهافت إليها النفوس ؛ فسافر في تلك الطرق ، والتقوي قائده ، والتوكل رائده ، والحبّ جاذب زمامه ، والوصل غاية مرامه ، وعرّفه أنه من أين وإلي أين ، ونادته ألطاف الحبيب إلي [ إلي ] يا حسين ! حتى وصل إلي تلك الديار ، وألقي فيها عصي التيار ؛ فقرّت عينه بذلك الوطن ، وقال : الحمد لله الذي أذهب عنا الحَزَن .
فورد من الوصال صافي المناهل ، وأنشد يقول قول القائل :
تركتُ هوي ليلي وسعدي بمعزل * وعدتُ إلي مصحوب أوّل منزل
حدّثني رحمه الله عن سبب إعراضه عن الدنيا بالمرة - مع إقبالها عليه - بالآخرة ممّا لم يتفق لأقرانه ، فقال : لمّا رجعت من بلاد العراق لم يكن لي همّ إلا الرئاسة ، وكنت أعتقد حصولها أوّل وصولي إلي بلادي ؛ لعلوّ مقامي في العلوم ، ومعرفتي بكيفية السياسة وطرق