سهلة . ثمّ ترك الوعظ أيضاً ، معتذراً بأنه لا يثق من نفسه في خلوص النية ، وانحصر الانتفاع منه ببعض الخواصّ .
ثمّ إن الشاهزاده ظلّ السلطان والي أصفهان أظهر له المحبّة والإخلاص والإرادة ، وبذل له من نفائس الأموال التي منها قرية عظيمة المنافع من أشهر قري إصفهان ، ووسّط في ذلك وسائط كثيرة ؛ فلم يقبل شيئاً من ذلك ، بل لم يتمكن من ملاقاته إلا عدة مرّات بأمر والده في بعض زياراته للشيخ قدّس روحه .
ولم يزل مدة إقامته في أصفهان مختفياً في بيت صغير من بيوت الدار ، مشغولًا بالعبادات والطاعات ، لا يصل إليه أحد إلا إخوانه . ووالده العلامة يزوره أكثر الليالي ويبقي شطراً من الليل ، وصاحب الترجمة يقرأ له بعض فقرات من نهج البلاغة ويقرنه ببعض كلماته في النصائح والمعارف ، والشيخ قدّس الله روحه دموعه تتقاطر علي خدّيه ، وربّما تكلّموا في المباحث العلمية ، ثمّ يمضي الشيخ إلي داره ويشتغل صاحب الترجمة بموظّف طاعاته . وكان في تلك المدة لا يتصرّف في شيء من أمور الدنيا أصلًا ، وكان أمر معاشه موكولًا إلي أهل الدار . لا يمسّ درهماً ولا ديناراً ، إلا ما كان يأخذه من أهل الدار ، ويعطيها للفقراء بيده .
ثمّ لمّا عزم والده العلامة علي السفر إلي بلاد العراق - كما تقدّم - رجع معه إلي النجف ، وبعده بقليلٍ توفّي والده العلامة ؛ فبعث من كان معه من الأهل والخدم والأتباع إلي أصفهان مع أخيه الأوحد الشيخ محمّد علي ، واختار المجاورة في النجف ، وتمّ له ما كان يرومه من العزلة التامة .
وفوّض ما يتعلّق به من أمور الدنيا إلي أخيه المتقدّم ذكره ، وبقي علي ما كان يتمنّاه من الاشتغال التامّ بالعبادات والطاعات والإعراض عن أمور الدنيا بالكلية . وحجّ في بعض تلك السنين ، ورجع مواظباً علي ما وصفناه ، إلا أمر التدريس مع عدم المواظبة عليه ، والسرّ فيه أنه رحمه الله ما كان يقدم عليه إلا مع الاطمئنان من خلوص القصد والنية ؛ ولهذا ربّما كثر ازدحام الطلبة علي الاستفادة منه ، فكان يغير مكان الدرس
درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف — صفحة 161
مساهمون: الشيخ رحيم القاسمي
ص١٦١