ويجعله في دار بعض الأصحاب ، وربما لم يفد ذلك ؛ فترك التدريس بالكلية .
ولم يزل كذلك والدنيا مشرقة بأنواره ، حتّي أن وفت بسراره ، وعمره في أوان إبداره ، فزار أبا عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام يوم عرفة سنة 1307 ورجع من كربلاء المشرفة مريضاً ، وكان ذلك مرضه الذي انتقل فيه إلي جوار ربّه .
وتوفّي رحمه الله أوّل يوم من شهر محرّم الحرام سنة 1308 .
واتفق في أيام مرضه أن هبّت رياح مخوفة ومطرت السماء وكان في الصيف .
فقال السيد الأديب السيد جعفر الحلي :
بحر علم قد فقدناه * فما أغرز علمه
قد بكته السحب صيفاً * واكتسي العالم ظلّه
مذ توفّي أرخوه : * ثلم الإسلام ثلمة
ودفن في حجرة جده العلامة السيد صدر الدين العاملي ، أوّل حجرة عن يمين الداخل في الصحن الشريف من باب الفرج . ورثاه الشعراء بقصائد بديعة ، أحسنها ما قاله السيد المتقدّم ذكره ، وأبدع فيها وأجاد ، وفي أوّلها : كم يا هلال محرّم تشجينا » .
قال الشيخ علي كاشف الغطاء في الحصون المنيعة :
« كان زيادة علي القرابة معي في كمال المحبّة والمودّة ، وكان شريكنا في الدرس معي عند حضوري علي والده العلامة . وكان رحمه الله في غاية من القدس والورع والعزلة عن الناس ، دائم الصمت ، ملازم الفكر ، كثير الفكر ، وفي الغاية من الذكاء والفهم ، وفي نهاية مراتب الزهد والتقوي . كان لا يفتر لسانه من ذكر الله آناً من الآنات ، خشناً في ذات الله . وكان أفضل إخوته وأتقاهم وأزهدهم وأورعهم .
وكان أبوه يحبّه أزيد منهم ، وكان يعوّل عليه في المطالب العلمية ويرجع إليه فيها . حسن السليقة في كافة فنون العلم . وفي أيام عزلته فسّر سورة الحمد والبقرة من القرآن المجيد تفسيراً جامعاً بين العلوم الظاهرية والعرفانية ، قد طبع في إيران ، متداول بين الناس . تفسير نافع محتوي علي فوائد حسنة . وله كتابات في الفقه والأصول لم يظهر من المسوّدة .