فرجع ورجعوا إلي النجف ، وكفّ عن معاودة السفر ؛ لظهور عدم قدرته علي معاناة المشاقّ ، وعدم قوة المسلمين نوعاً علي الدفاع . وما زال علي ذلك حتى سنة 1337 وهو عاكف علي البحث والتدريس والإملاء والإفتاء والقضاء ونحو ذلك . وفي هذه السنة توفّي السيد محمد كاظم الطباطبائي ، فرجع تقليد الجمهور إليه في أغلب البلدان أو كلّها . وبعد وفاة المرحوم المدقق المحقق الميرزا محمد تقي الشيرازي لسنة مضت من موت السيد المذكور انحصر الأمر به ، ورجع إليه السواد الأعظم في الشيعة ، وأصبح المقلد الوحيد في كافة الأقطار التي فيها الشيعة . . .
ثمّ إنه اشتدّ المرض عليه في سنة 1339 . . . وزاد في قلقه ومرضه حدوث حوادث تدمي العيون وتذيب الأكباد ، ابتلي بها المسلمون في العراق تلك السنة ، وكانت تسلب راحته وتقلق وساده وتذرف لها دموعه ، علي أنه لا يصل له من أخبارها إلا الشاذ النادر . وذلك أنّ الحرب العمومية بعد أن وضعت أوزارها وانعقدت المهادنات بين الدول واحتل الانكليز العراق العربي . . . ابتدأت الحكومة بالاضطهاد . . . حتى آل الأمر إلي الثورة الحربية الدموية علي ضفاف الفرات بين الحكومة وقبائل العرب القاطنين في تلك الأرجاء في مسافة عشرة أيام تقريباً ، ودامت الحرب أربعة أشهر وأياماً .
وفي أثناء تلك المدّة توفّي الميرزا محمد تقي الشيرازي ، ولم يكن هو ولا شيخنا ، قدّس سرّهما ، ولا غيرهما من العلماء ، قد أمر بالحرب قبل وقوعها ؛ لعلمهم بعدم قوّة العرب وعدم اجتماع المقتضيات الحربية لهم ، ومع ما لخصمهم من السلطة والقوة ؛ ولكنها لمّا وقعت . . . لم يجد الشيخان الجليلان بدّاً من إعمال الفكر في لزوم استنقاذ المسلمين وتخليصهم من المخالب الناشبة لهم . . . فأصدروا فتواهما بوجوب الاستنقاذ علي كلّ قادر عليه . . . فلبّي دعوتهم من بلغته من المسلمين القادرين ، وما اتفق من حين بدأت الحرب إلي ختامها أن صرّح ولوّح أحد من الرؤساء ولا من غيرهم بالضعف وعدم الطاقة ، حتى قضي الله أمراً كان مفعولًا ، ونال المسلمون من سوء مغبته من القتل والتبعيد والهدم والتخريب ما تنفطر له القلوب وتشيب الولدان . فكان ذلك من جملة العوامل القوية التي
درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف — صفحة 480
مساهمون: الشيخ رحيم القاسمي
ص٤٨٠