تردّداً وصحبة في ملأ الناس وغيبتهم ، وكان يفضي إلي بما لا يبوح به لغيري ، فما رأيتُ منه زلة في قول أو فعل ، ولا رأيته احتمل غيظاً علي أحد أو ذكره بسوء ، ولا تصدّي لإعمال أسباب الرئاسة التي يعملها كثير من المتأهلين ؛ علي أنه يعتقد منذ نيف وعشرين سنة أنه أعلم من علي كرة الأرض من علماء الشيعة ، وقد ذكر ذلك لبعض خواصّه ، منهم : الشيخ مرتضي بن المرحوم الشيخ مهدي الخوجة النجفي ، قدّس الله سرّه ، غير متحاش منه . وهذا أكبر برهان علي زهده وإعراضه عن الدنيا .
وعند انتهاء الرئاسة الكبري وانحصار مرجعية الإمامية جميعاً به بعد العلامة المرحوم السيد محمد كاظم اليزدي المتوفي سنة 1337 كان يتذمّر كثيراً ويبكي طويلا في سرّه وعلانيته لأجل ابتلائه بالعلائق والعوائق وأموال الفقراء ، وتكثر الإفتاء الذي لا يؤمن معهما الزلل في القول والعمل ، وربما كان يتمنّي أن يعجّل له لقاء ربّه ولا يكون قد وضع شيئاً من ذلك في غير موضعه .
وكان تغمّده الله برحمته يقتات طول حياته بثمن غلة له تجبي إليه من إيران ، وهدايا تحمل إليه منها من محبّيه وأرحامه ، ودراهم كانت تجري عليه في سنين قليلة يملكها بالاستغنام ، ويراها أجلّ ما يصل إليه من ماله وأطيبه ، ثمّ تركها وردّها لمّا رأي أن في قبولها جرارة عليه .
وكنت أراه رحمة الله عليه في طوال الأيام إذا أقام للصلاة يضع قدّامه علي سجادته شيئاً أبيض كيساً أو صرة لا أعلم ما هي وما فيها ، ولا سألته عنها حتى اتفق يوماً أنه نسيها وقام . . . فرفعتها وإذا هي كيس فيه دراهم كثيرة ، فتبعتُه بها ، فقال : هذه دراهم من الحقوق التي تحمل للفقراء وأهل العلم ، أحملها خشية أن يصادف محلّ لدفعها ولم تكن حاضرة ، وإني أكره أن أصلّي مستصحباً لها ؛ لأنها من أوساخ أموال الناس ، وهي بمنزلة الأمانة عندي ، فلذلك أتركها أمامي . ومن ذلك علمت أنه ما كان يتناول لنفسه ولعائلته
درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف — صفحة 474
مساهمون: الشيخ رحيم القاسمي
ص٤٧٤