نصّ عبارته ، ويفسّرها ويذكر ما عليها من نقوض ومؤيدات ، حتى أتمّ الكتاب تدريساً وذلك سنة 1316 من الهجرة . ثمّ ابتدأ بإلقائه بطريق المحاضرة علي جماعات آخرين من دون أن يصحب أحد منهم كتاباً ، وفي ذلك الأثناء فجع بموت ولد له يسمّي ميرزا مهدي وعمره يومئذ سبعة عشر سنة ، وهو أكبر ولده ؛ فعطّل درسه هذا وغيره شهور كثيرة حزناً عليه ؛ لأنه وهو في مقتبل السنّ قد بلغ رتبة الاجتهاد ، وله في الفقه وأصوله مصنفات عديدة مفيدة مرضية لدي أبيه .
ودخلت عليه يوماً قدّس سرّه وهو يكتب رسالة في قاعدة لا ضرر ولا ضرار ، وذلك أواخر سنة 1338 ق ، فابتدأ بكتابة صفحة منها ، فلمّا أتمّ الصفحة ووضعها أخذتُها وقرأتُها ؛ فوجدتُ فيها ما يقرب من عشرة أحاديث ، وقد كتبها بأسانيدها ومتونها وأسماء الكتب المدوّنة فيها ، وهو لم يراجع حينئذ كتاباً واحداً منها .
وكان روّح الله روحه سليم الذات ، صافي القلب ، حرّ الضمير ، لا يحابي أحداً ولا يداجي أبداً . تندفق أخلاقه رقة وتسيل لطفاً ، لا يكاد يفارق الجليس ممّا يري من سماحة أخلاقه ورقة طبعه وبشاشة وجهه وما يسمعه منه من فكاهة الجدّ والهزل ، ومن ذكر وسير العلماء والأعيان في العراق وإيران ، وما يلقيه من المحاضرات في العلوم المتنوعة ، ورواية الشعر عربياً وفارسياً ونقده وإنشائه ، وبثّ المواعظ والنصائح المؤثرة ، وغير ذلك ممّا يعجب من حفظه ، ويرغب إليه جميع طبقات الناس علي اختلافهم .
وقلّما اتّفق له ناد في وعظ أهل العلم إلا وأكدّ في الحثّ علي أمرين : طلب العلم ، ونافلة الليل ، وكان - عطّر الله مرقده - ملازماً لفعلها ، مواظباً عليها طول عمره حتى ليالي مرضه التي لا يستطيع الجلوس فيها مستقراً ، وكذلك سائر الأذكار المندوبة والأوراد والأدعية المهمة ، بيد أنه في أخريات حياته كان لوفور المسائل الشرعية التي يراد منه أجوبتها كتابة ، يكتبها غالباً بعد صلاة الفجر إلي ما بعد طلوع الشمس بساعة أو أكثر ، ويقول : أرجو أن يكون لي بذلك أعظم أجر المعقّبين في صلواتهم . . .
صحبتُه في الحضر أكثر من عشرين سنة ، وفي سنينه الأخيرة لم يكن أحد أكثر مني
درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف — صفحة 473
مساهمون: الشيخ رحيم القاسمي
ص٤٧٣