تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
( وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ )
( النحل 59 ) . هذه الآية الشريفة نزلت في تصوير ثقافة العنف التي تمارس ضد المرأة في الجاهلية ، إذ كان الجاهليون يعتبرونها تجلب لهم العار ، حتى بلغ من شدّة بغضهم لها آنذاك أنّ أحدهم حينما تولد له بنت يستاء منها جداً ويكرهها ولا يستطيع مقابلة الرجال من الخجل الذي يشعر به ، فتبشيره بالأنثى كمولود مصيبة عنده وأية مصيبة . بينما أنّ البشارة تكون بخير ، فكان يجب عليهم أن يستقبلوها استقبال البشارة ، ولكنهم استقبلوها استقبال الناقمين الكارهين لما بشروا به ، فلذلك سخر منهم القرآن ورسم لهم صورة ساخرة في اسوداد وجوههم انقباضا من الغيظ ، ثمّ يقول تعالى :
( وَهُوَ كَظِيمٌ )
، و « الكظم » مأخوذ من كظم القربة حين تمتلئ بالماء ، ويكظمها أي يربطها ، فتراها حينئذ ممتلئة كأنها ستنفجر . وهكذا صوّر القرآن الغضبان من تبشيره بالأنثى بصورة منتفخة عروقه ، ويتوارد الدم في وجهه ، ويحدث له احتقان ، فهو مكظوم ممنوع من أن ينفجر . ثمّ يرسم القرآن لهذا الغضبان صورة متحركة تشبه بالصور الكارتونية « 1 » حيث يقول الحق سبحانه :
( يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ )
( النحل 60 ) . فصوّره القرآن في تحيّره بين أمرين : إمّا أن يترك هذه البنت مهانة ، ويصبر هو على كراهيتها وتنقص الناس له بسببها ، وإمّا أن يقتلها شرّ قتلة ، بأن يدفنها وهي حيّة ويتركها تحت التراب حتى تموت . فصوّر القرآن أقسى ما تعرضت له المرأة على يد المجتمع الذكوري في الجاهلية ، وهذا لا يعني أنّ تلك المسارات قد زالت اليوم ، بل نرى رواسبها لدى البعض حتى الآن ، كمانرى سياسة العزل والتهميش التي مورست بحقها وهي امتداد لما عانته في السابق ، فيصوّرها الكاريكاتوريون في صور كاريكاتورية تشبه هذه الصور التي رسمها القرآن لها ، كي يقوم المجتمع الإنساني بقدر المستطاع بتصحيح تلك المسارات وتشذيبها بما يخدم
هامش
( 1 ) - مصطلح الكارتون أخذ في الأصل من (cartone) بالإيطالية ، وفي بداية القرن الماضي كان يطلق على جميع الرسوم المتحركة ، وفي عصرنا الحديث فقد أصبح المصطلح خاصاً بأي رسم متحرك ينفذ بأسلوب وشكل هزلي ساخر ( انظر : الدخيل 1 ) .