تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢

2 - 4 - 3 الهجاء الكاريكاتوري في العصر الأموي

كما أسلفنا في الفصل الماضي ، نرى في العصر الأموي نمو الهجاء نموا كبيرا في شكله ومضمونه وغايته وتواقع الشعراء فيه بنوع من النقائض التي وصلت إلى ذروتها عند شعراء المثلث الأموي ( الأخطل وجرير والفرزدق ) مستغلين فيه التاريخ الجاهلي بما فيه من أنساب ومثالب وحروب ، ثم التاريخ الإسلامي ومواقف القبائل من الدولة الأموية متوخين من نقائضهم ، التسلية والترفية والإضحاك . ولعلّ واقعية النقائض ، وطبيعتها الموضوعية تشكل عاملًا قوياً في لجوء الشاعر إلى عنصر السخرية ، ذلك لأنها تختلف اختلافا كبيرا عن الهجاء في الجاهلية ، حيث كان الشعراء الجاهليون يخوضون معارك كلامية تراق فيها الدماء ، ويتصدّون لنزعات ، كانوا فيها ألسنة قبائلهم ، والأسلحة المشرعة في وجه الأعداء بقصد الانتقام والتشفّي والثأر والاعتداء ، أما النقائض بين جرير والفرزدق وغيرهما من الشعراء فكانت نوعا من المفاخرة والمهاجاة لا تبلغ أن تثير الأحقاد أو تؤجج العداء بل « هي عمل يراد به - قبل كل شيء تسلية الجماعة العربية الجديدة في البصرة ، حيث تكوّن المجتمع العربي هناك في شكل مدينة لأول مرة في تاريخ القبائل التي نزلت البصرة » ( ضيف ، التطور والتجديد في الشعر الأموي 182 ) ، ففي ديوان شعراء النقائض ، نري بعض القصائد التي تذكرنا بقصائد ابن الرومي التي هي أقرب إلى الهجاء الكاريكاتوري . وقد كان فارسه المجلى الشاعر الكبير جرير بن عطيّة ، الذي يعدّ بحق رائد السخرية في الأدب العربي وللهجاء الكاريكاتوري طبعا . ومن قوله في هذا اللون من الهجاء ما يسخر من رجل قصير من بني مجاشع ، الممتلئ سمنا ، وقد ضخمت عجيزته حتى أثقلته عن السير ، فيذكره ذلك بمنظر برذون خصيّ ، قد تردّى في الوحل ، فراح يقلع رجليه ويخلص نفسه منه جاهدا . فيقول :
يَفِيْشُ ابْنُ حَمْراءِ العِجَانِ كَأنّه * خَصِيُّ بَراذِينَ تَقَاعَسَ فِي الوَحْلِ « 1 »
( 471 ) أو ما رسم لمهجوه من صورة بغل ضخم قد جثم فوقه خرجان . وكأنّ هذا الرجل القصير المكتنز ، في عجيزته الكبيرة ، بغل قد حمل خرجين ، لا يكاد ينهض للسير بهما إلا في مشقة :
هامش
( 1 ) - براذين ج برذون : دابة الحمل الثقيلة .