تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
الكاريكاتورية النمطية « 1 » التي تقلل من شأن المهجوين ، لما تتميز به من القبح والتشويه إضافة إلى مميزاته الحيوانية الخاصة . فيوظّفها القرآن ليصوّر الذين تمرّدوا على ما نهوا عنه وتمادوا فيما حرّم الله عليهم في صورة الحيوانات . كآولئك الذين صوّرهم في صورة قردة كانت لها أذناب ، حيث يقول سبحانه وتعالى :
( كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ )
( البقرة 65 ) . ومن هذه الصور قوله تعالى :
( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ ، وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ )
( المائدة 60 ) . فيستعمل القرآن مثل هذه الصور التي تتسم بالتهكم والسخرية ، لإعطاء الحكم عليهم ، إذ يجعلهم مبعدين من الخير أذلاء صغراء يرعون في مراتع البهيمية كالقردة والخنازير المستذلة المطرودة من حضرة الناس . وفي موضع آخر يصف ما يصيب به أصحاب الجحيم من الخوف والفزع ، بوصف حسي بارع يعطي الصورة أروع ما يعطي من عصارة الفن . حيث يقول سبحانه وتعالى :
( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ )
( المدّثّر 50 - 51 ) . والكثير من هذه الآيات التي سلكت سبيلها إلى عقول الشعراء وخيالهم ، فأخذوا بصورها وتعلّموا من منطقها والنقاش فيها ، واستعاروا تعابيرها ليسلكوا خصومهم بالخزي والعار ، وليصوروا أعدائهم كما صوّر القرآن . والشيء الذي لابدّ أن ننتبه إليه في تحليل الصور الهجائية القرآنية هو أنّ غرض القرآن من استخدام هذا الأسلوب التعبيري هو الهداية والإصلاح ، وليس الانتقام والقدح والثلب ، ومهمّته تحريضية أو تحذيرية بحتة لنقد الواقع الإنساني ، فلذلك نجد أن الجانب الإصلاحي فيها يغلب على السخرية والمبالغة والتضخيم وغيرها من الجوانب الأخرى التي تتسم بها الصور الكاريكاتورية الشعرية .
هامش
( 1 ) - لمزيد المعرفة عن الصور الكاريكاتورية النمطية ، انظر : فصل المضمون والموضوع في الرسالة الحاضرة .