فكما نرى أنّ القرآن يعمد في هذه الآية الشريفة إلى التضخيم عن طريق التمثيل ، لكي يرسم المنافقين في صورة ساخرة مضحكة ، إذ يصوّرهم بما يروق ويعجب من حسن الهيئة والهندام ، يكاد أن يخدع الناظر إليهم لحسن مطالعهم ، ولبلاغة كلامهم ، فلا يرضى القرآن أن يصوّرهم في صورة الحيوان ، بل يرسم لهم صورة الأخشاب المسنّدة التي لا عقل لها ولا وجدان ، لكي يسلبهم أدنى قدر من العقل . فهم لايقومون على أرجلهم إلا كما تقوم هذه الخُشُب . ثمّ يصوّر لنا أحوالهم النفسية ، فهم مذعورون في نفوسهم ، يشعرون فيها بالخيانة والغدر ، ويحسبون انّ الناس يعلمون ذلك منهم ، يتوقعون في كل لحظة أن ينكشف عنهم الستر فيؤخذوا بذنوبهم . فلا يسمعون صيحة إلا أخذ الرعب قلوبهم ، فكأنهم هم المقصودون ، حتى يولّوا ويدبروا ، خائفين مذعورين . ثم يوالي القرآن لطمهم بهذه الجمل القصيرة المتداركة ، فيقول :
( هُمُ الْعَدُوُّ ، فَاحْذَرْهُمْ )
وتهدأ الآية بعد هذه العاصفة ، وبعد هذه اللطمات المتتالية ، لتختم تلك اللوحة الحيّة .
أمّا هذه الآيات فتركت أثرها في كل العصور عند كثير من الشعراء الذين قاموا برسم الصور الساخرة لمهجويهم ، ولعلّ حسان بن ثابت قد تأثّر بصدر الآية ، إذ قال :
لا بَأسَ بالقَومِ مِنْ طول وَمِنْ عِظَمٍ * جِسْمُ البِغَالِ وَأحْلامُ العَصَافير
كأنّكُم خُشُبٌ جَوْفٌ أسَافِلُه * مُثَقَّبٌ فيه أرواحُ الأعاصِيرُ
( 110 )
كما أخذ جرير من قول القرآن
( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ )
قوله :
حَمَلتْ عَليْكَ حُماة قيس خَيْلَها * شُعْثاً عَوابسَ تحمِلُ الأبْطالا
تَركُوكَ تحَسِبُ كُلَّ شَيءٍ بَعدَهُم * خيْلًا تَكرُّ عَليْكُمُ وَرِجَالا
( 458 )
وكذلك تأثّر بها روّاد فن الهجاء الكاريكاتوري في مسخ مهجويهم ورسم صورهم الساخرة ، خاصة في أوج ظهوره في العصر العباسي ومن ذلك قول ابن الرومي :
طُوْلٌ وَعَرْضٌ بِلا عَقْلٍ وَلا أدَبٍ * فليس يَحسُنُ إلا وَهْوَ مَصْلُوبُ
( 330 : 1 )
وهناك بعض الآيات التي نستطيع أن نلمس فيها الروح الكاريكاتورية التي تظهر عيوب المجتمع الجاهلي في صورة تهكميّة ، من ذلك قوله سبحانه وتعالى :