تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
المعركة متعباً غضباً من مواجهة هذا الجيش الضخم الذي لا ينتهي أبدا . وقول شاعر آخر يصف مهجوه بالقصر ، فلا يصرّح بذلك ، ولكنه يرسم له شكلا مضحكا ويلبسه ثوبا من الطرافة الكاريكاتورية ، حيث يصوّره أن بيضة قد خرّت منه فسقطت على الأرض ، ثم يزعم أن هذه البيضة لا تنكسر لقربها من الأرض :
وَأُقسِمُ لَوْ خَرَّتْ مِنِ اسْتِكَ بَيضَةٌ * لَمَا انْكَسَرَتْ لِقُرْبِ بَعْضِكَ مِنْ بَعْضِ
( الهجاء والهجاءون في الجاهلية 50 ) وهذا لا يعني أنّ رسم هذه الصور الساخرة ينحصر في الشعر الجاهلي ، بل نراه في النثر أيضا ، كقول أعرابي ذكر امرأة قبيحة ، وقد رسم لها صورة مثيرة للسخرية من خلال تشويه أعضاء جسدها فقال : « تُرخي ذيلها على عرقوبَيْ نعامة ، وتسدل خمارها على وجه كالجعاله » ( ابن عبد ربه 398 : 3 ) . ولما تقدّمت الأيام ، جاء الحطيئة ، وقد طار صيته في الهجاء الساخر . فنرى في ديوانه صوراً ساخرة لكل من يريد البحث في هذا الموضوع ، منها أنّه رسم لنفسه وجها يحمله ويكره أن يقابل به الناس لشذوذه وتنافر الأعضاء فيه . وأما الفم فقد رأت الزوجة فيه جيفة الخنزير وفضلت على القعود معه خوض المنايا ، فقال من لسان زوجته :
لَو أنّ المَنَايَا أعرَضَت لاقْتَحَمْتُها * مَخَافَةَ فِيهِ ، إنّ فِيهِ لَدَاهِيَهْ فَمَا جِيفَةُ الخِنْزيرِ عِنْدَ « ابْنِ مُغْرِبٍ * قتادة » إلا ريحُ مِسْكٍ وَغَالِيهْ فَكَيْف اصْطِبَارِي يا « قتادةُ » بعد ما * شَمَمْتُ الَّذي مِن فِيكَ أثأى حماضيه
( الدهان 29 ) وليس من الصعب أن نتصور هذه الصورة التي رسمها الحطيئة من تفضيل زوجته جيفة الخنزير وأن تراها مسكا وغالية إذا قورنت برائحة الفم عند زوجها حتى لا تستطيع الصبر عليه ، ولا تريد البقاء معه وإنما تهرب من بيت هو فيه ، لأنه يبعث الكراهية . أما بالنسبة إلى هجاء الآخرين ، فبراعة الحطيئة في رسم الصور المثيرة على الضحك في هجائهم ، أمر لا شكّ فيه ، ومنها قوله في وصف أحد البخلاء ، حيث قال :
كَدَحتُ بأظفاري وَأعملتُ مِعْولِي * فَصادَفَ جُلمودا مِنَ الصَخرِ أمْلَسا