متعددة حيث رسمها في جسدها المترهّل المتضخّم ، وصوّرها في خلقها الثعلبي ، ثم جعلها كالكلبة في حركتها ، فيثيرنا على الضحك في سخرية جميلة خفيفة جمعت قوالب الهجاء في القديم قبل الميلاد . وكذلك ورد الهجاء الكاريكاتوري في شعر الهند والصين وإيران ، أحيانا على شكل قصص أو حكايات الحيوان أو حكم ساخرة ( انظر : الدهان 8 ) .
ومن أروع الصور الهجائية في الآداب الدينية ما جاء في التوراة والتلمود والإنجيل من الصور القصصية التي تقوم على وصف ساخر ، تتناول العتاة الجبابرة ، أو الكفار المردة أو الشياطين ، وتقصّ سيرة آدم وما وقع لولديه ، ونوح وابنه ، والسيّد المسيح وموقف الكفار منه ، وتلعن الشيطان وتصوّره في أقبح حالاته ( انظر : المصدر نفسه 7 - 8 ) . إلا أنه آنذاك لم يكن معروفا بتسمية الهجاء الكاريكاتوري وإن كان يحمل الكثير من خصائصه ومميزاته في التصوير ونقل الوقائع والأحداث ، من حيث المبالغة والتشويه والتضخيم لإثارة الضحك والعبث والاستهزاء ، وحتى أيضا من حيث المعنى الذي كان ينتج من أجله .
2 - 4 - 1 الهجاء الكاريكاتوري في العصر الجاهلي
إذا بدأنا البحث في تاريخ هذا اللون من الهجاء عند العرب ، وجدنا أنّه لم يعرف الهجاء الكاريكاتوري بوصفه ظاهرة ، وإن عرف الهجاء كثيراً ؛ حيث غلب على أشعارهم الطابع الجدّي وعرفوا الهجاء الذي واكب المديح وسايره ، وكان جزءاً من القصائد التقليدية منبثا في حماستهم وإشادتهم بأمجادهم وانتصاراتهم الحربية ، وكان في جوهره تعبيرا عن احتقارهم للضعف والقعود عن الغزو والعجز عن أخذ الثأر ووضاعة النسب والبخل والتقصير في حماية الجار ؛ غير أنّ هناك لوناً من الصور المثيرة للسخرية نصادفه في تلافيف الهجاء المقذع ؛ إذ اقترنت الصور الشعرية الساخرة في الشعر العربي عادة بالهجاء ، وتفنّن الشعراء الهجّاؤون في رسمها لمهجويهم بقصد التحقير أو الاستهزاء إلى الحد الذي يجعل من هؤلاء المهجوين أضحوكة لمعاصريهم وللأجيال التالية . فهو ليس وليد العصر العباسي ، وإنّما ظهر كحركة قديمة بدائية في التصوير الهجائي الساخر ، حيث انطلق من العصر الجاهلي عنما نجد جذوره في شعر بعض شعرائه ، ومنهم : امرؤ القيس يهجو بني عدوان بعد مقتل أبيه حين نزل