استفاد من جميع مظاهر حياته في استثمار الفنون والآداب كأحد المرتكزات والمؤثرات بما فيها من عوامل التشويق والجاذبية ، في مواجهة ما تعوّق عيشه وتقدّمه . ولمّا اعتبر الترويح عن النفس ضرورة من ضرورات الحياة ، واعتبر استخدام الأساليب الساخرة والطرائف العذبة والفكاهة ، والاستماع إلى الشعر محطات للراح في تجديد النشاط وإثارة الحيوية في النفوس ، أصبحت السخرية في الفن والأدب بكل فروعها ، من أحسن أساليب الردع والمقاومة في مواجهة الضغوط التي تهدد الحياة البشرية ، فمن شأنها تدمير المشقة والتقليل من شأن تأثيراتها السلبية . والشعراء في كل الأمم أخذوا بنصيب كبير من أساليبها واستخدموها في الأوقات الحرجة ، إذ أرادوا أن يعبروا عن عاطفة الغضب أو الاحتقار أو الاستهزاء ، كما تفننوا فيها بالصاق الصفات المثيرة للضحك بالشخص المهجو . وأسلوبهم هذا ما يسمى بالأسلوب الساخر الكاريكاتوري .
فلذلك إنّه من الصعب أن نعين تاريخا محدّداً لظهور الهجاء الكاريكاتوري أو نشير إلى مؤسسه بعينه ، عربيا أو عالميا ، لأن هذا اللون الأدبي مثله مثل بقية الأنواع الأدبية والرسوم وغيرها من الفنون الأخرى . فإذا كنّا موضوعيين لا يمكن أن نتحدّث عن مؤسسيه ، بل يمكن الحديث عن روّاده . فلا نستطيع أن ننكر وجوده في الأعمال القديمة ، بل هو موجود منذ خليقة البشرية وجزء لا يتجزأ من حياة الإنسان ، وإن لم يكن بشكل متكامل كما نراه فيما بعد ، إذ إنّ كتب التاريخ ترجع وجوده عالميا إلى الحضارات القديمة كوجوده في المسرحيات الدينية البابلية والقصائد الهجائية التي ترنّمت بها مصر في اللعنة على سارقي القبور والكنوز ونظمها الشعراء اليونانيون والرومانيون ، مثلما نجده عند الشاعر سيمونيدس في قصيدة يهجو بها بعض النساء ، حيث يرسمها في صورة خنزير ترسل بنيها للأكل في الدار على اضطراب وفوضى ، فيطرحون على الأرض متمرّغين في القذر ، بينما الأم تمرح بينهم كتمرّح الخنازير في حظائرها وتزداد شحما على شحم . ويرسم بعضهنّ بشكل الثعلبة الماكرة التي لا تغفل عن شيء شرّا كان أو خيرا . وصوّر بعضا أُخر كالكلبة في حركتها ونشاطها تطلق لسانها بالسوء ، ولا يجدى فيها وعيد أو تهديد . فالشاعر اليوناني رسم المرأة في لوحات كاريكاتورية
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 93
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٩٣